في السنوات الأخيرة، واجه الاقتصاد اللبناني أزمات متتالية انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين ومستوى معيشتهم. الحروب، الأزمات المالية، وانكماش القطاعات الإنتاجية تركت البلاد في حالة ركود طويل. ومع ذلك، تظهر مؤشرات التعافي منذ عام 2025، ما يعطي بصيص أمل على صعيد النمو الاقتصادي وتحريك العجلة الاقتصادية. يبقى هذا التعافي هشا ويعتمد على عوامل عدة، من الإصلاحات البنيوية إلى التمويل واستقرار القطاع المصرفي.
فالظروف الراهنة تجعل أي نمو مرتقب هشّا ومعرّضا للانتكاس بسرعة، ما يضع الاقتصاد اللبناني أمام اختبار صعب خلال عام 2026.
مع ذلك، يظل السؤال الأكبر مطروحا، هل يمكن تحويل الدعم المؤقت الذي يقدمه المغتربون إلى دعم مستدام ينشط الاقتصاد اللبناني على المدى الطويل، في ظل الحاجة الماسّة للإصلاحات البنيوية، وفك الاحتكارات، وضمان الاستقرار النقدي وحماية الودائع من تدخل الدولة؟
بين التعافي والانتكاس
من هذا المنطلق، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور باتريك مارديني في حديث لصحيفة «اللواء» إن «الاقتصاد اللبناني شهد بداية تعاف ملحوظة منذ عام 2025، حيث سجل معدل نمو إيجابي بلغ نحو 3.5%، ما انعكس تحسّنا في الحركة الاقتصادية والنشاط العام في مختلف القطاعات. ويأتي هذا الأداء بعد عام صعب في 2024، حين انكمش الاقتصاد بنسبة -7.9% متأثّرا بتداعيات الحرب على الجنوب وما رافقها من اضطرابات وأضرار مباشرة وغير مباشرة».
ويتابع: «على الرغم من هذا التحسن، تبقى وتيرة النمو دون مستوى الطموحات، لا سيما أن لبنان يخرج تدريجيا من أزمة اقتصادية عميقة ترافقت مع ظروف أمنية استثنائية. وكانت التوقعات تشير إلى إمكانية تسجيل مزيد من التحسّن في عام 2026، مدفوعة باستعادة تدريجية للثقة وتحسن نسبي في المؤشرات الاقتصادية.
إلّا أن المستجدات الأمنية في اليومين الأخيرين قد تعيد خلط الأوراق، ما يفرض مراجعة تقديرات النمو المرتقبة، في ظل حساسية الاقتصاد اللبناني الشديدة تجاه التطورات الأمنية والسياسية، وتأثيرها المباشر على الاستقرار المالي والاستثماري».
هل يخرج اقتصادنا من النفق المظلم؟
في هذا الخصوص، يعتبر مارديني أن «قدرة الاقتصاد اللبناني على الخروج من النفق المظلم، وتسريع وتيرة التعافي قبل المستجدات الأمنية الأخيرة، كانت ترتبط بشكل أساسي بمعالجة الأزمة المصرفية. فإعادة الانتظام إلى القطاع المالي يُعد المدخل الطبيعي لأي نهوض اقتصادي مستدام، إذ لا يمكن للاقتصاد أن يستعيد نموه في ظل غياب التمويل وشلل القروض».
ويضيف: «القطاعات الإنتاجية كافة تعتمد بصورة مباشرة على القروض لتمويل عملياتها وتوسيع أعمالها، ما يجعل تحريك العجلة الاقتصادية رهنا بعودة المصارف إلى دورها الطبيعي في إعطاء القروض والتمويل. ومن دون ذلك، يبقى الاقتصاد في حالة جمود شبه كامل»، معتبرا أن «الحكومة كان قد اتخذت خطوات متقدمة في هذا الاتجاه، عبر إقرار قانون تعديل السرية المصرفية، وقانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إضافة إلى قانون الانتظام المالي لمعالجة الفجوة المالية. غير أن التطورات الأمنية الأخيرة، ولا سيما اندلاع الحرب، تهدد بإعادة البلاد إلى نقطة التراجع، ما يضع مسار التعافي أمام اختبار جديد».
التمويل… مفتاح النمو؟!
أمام كل تلك المعطيات، يرى مارديني أن «العوامل الموسمية، كفصل الاصطياف وموسم السياحة وتدفّقات أموال المغتربين، لا تعدّ عناصر ظرفية عابرة، بل هي موارد متكررة تشكل سنويا رافعة أساسية للاقتصاد اللبناني. فالتحويلات المالية من الخارج وعائدات السياحة توفر دخلا كبيرا يساهم في تنشيط الأسواق وتحريك الاستهلاك. غير أن هذه التدفقات، على أهميتها، لا تكفي لإرساء نمو مستدام. فالقطاعات الإنتاجية في لبنان تحتاج إلى تمويل منتظم لتوسيع أعمالها والحفاظ على استمراريتها. وفي ظل غياب القروض المنظمة، تبقى قدرة هذه القطاعات على الصمود محدودة، ما يعرض مجمل النشاط الاقتصادي لخطر التراجع مهما بلغت قوة العوامل الموسمية».
ضريبة على المال… ورواتب على حساب المواطن
وفي سياق متصل، يشرح مارديني أن «التطورات الأخيرة بشأن الضرائب الجديدة المفروضة تشير إلى تأثير سلبي كبير على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا الفئات المتوسطة والفقيرة، حيث ساهمت في رفع الأسعار بشكل ملموس. ويعتبر هذا الإجراء خطوة كانت غير ضرورية في الوقت الحالي، إذ كان من الأجدر التركيز على إعادة هيكلة القطاع العام وترشيد النفقات بدل تحميل المواطنين أعباء إضافية».
ويضيف: «الضرائب الحالية تستخدم أساسا لتمويل الرواتب والأجور في القطاع العام، بينما يستحق جزء محدود من الموظفين هذه الزيادة، في حين لا يستحق الجزء الأكبر منها. وكانت الخطة الأكثر فعالية هي تسريح جزء من الموظفين غير المؤهلين، واستخدام المدخرات لتعزيز الرواتب والأجور المستحقة، بدلا من تحميل المواطن الثمن عبر رفع الضرائب والأسعار».
المغترب… خط الدفاع الأخير للاقتصاد
وفي خلاصة الأمر، يوضح مارديني أن «تحويلات المغتربين تعدّ من الركائز الأساسية في الاقتصاد اللبناني، فهي بمثابة شبكة حماية اجتماعية ساعدت المواطنين على تجاوز الأزمات العديدة التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الماضية. سواء عبر الدعم المباشر أو الاستثمارات طويلة الأمد، لعب اللبنانيون في الخارج دورا محوريا في إبقاء الاقتصاد على قيد الحياة».
ويختم: «لكن لتحويل هذا الدعم من مؤقت إلى مستدام، لا بد من إصلاحات هيكلية شاملة. فالاحتكارات في قطاعات أساسية مثل الاتصالات والكهرباء والمطارات والطيران وغيرها من القطاعات الانتاجية أعاقت النمو وخرقت السوق، ومن الضروري تفكيكها لضمان بيئة اقتصادية عادلة وجاذبة للاستثمار. ولا يقل أهمية الاستقرار النقدي، إذ يجب أن يشعر المغترب بالطمأنينة لعدم تبخر أمواله، مع ضمان حماية الودائع من تدخل الدولة في المستقبل. عند تحقيق هذه الشروط، يمكن أن تتحول التحويلات الآنية إلى دعم دائم ومستدام عبر استثمارات تعزز الانتاجية والنمو في لبنان».
