أشهر قليلة فصلت لبنان عن الانفصال الكامل لشبكة الكهرباء. فبعد نحو نصف عام على انتهاء اتفاقية تزويد بيروت بالوقود من قبل العراق، انقطعت طرق الإمداد من الأخير بشكل شبه كلي، وتوقفت صادراته النفطية على إثر إقفال مضيق هرمز، وتراجع إنتاجه بنحو 1.2 مليون برميل يومياً. ولو كُتب للاتفاقية المثيرة للجدل، والتي تسعى مؤسسة الكهرباء بـ”أيديها وأرجلها” إلى تكريسها، التجديد، لكان أصاب لبنان ما أصاب المستجير من الرمضاء بالنار، ولاحترق بالانقطاع الكامل لمصادر الطاقة.
نجت مؤسسة الكهرباء من الانقطاع التام للمحروقات من خلال تنويع مصادر شراء الفيول استنادًا إلى إيراداتها المتأتية من الجباية، لكنها وقعت في حفرة عدم كفاية الموارد. ولم تزل تحاول الخروج من هذه الهوة السحيقة، حتى أتت الارتفاعات في أسعار النفط لتعيدها إلى القعر مرةً جديدة.
المشكلة في الهدر لا في السعر
حتى اللحظة، ورغم الارتفاعات الهائلة في الأسعار، ما زالت أسعار النفط العالمية أقل بنحو 5.7 في المئة من السعر الذي وُضعت على أساسه تعرفة الكهرباء في لبنان. فبحسب خطة الطوارئ الطاقوية للعام 2022، بُني متوسط التعرفة للكيلوواط – ساعة عند 27 سنتاً، على أساس سعر 110 دولارات لبرميل النفط، وتحديداً لخام برنت، فيما بلغ سعر هذا الخام 104 دولارات حتى كتابة هذه السطور.
إلا أن نكسة الكهرباء الكبيرة التي ستبدأ تداعياتها بالظهور قريباً لا تأتي من ارتفاع أسعار النفط العالمية بحد ذاتها، إنما من تفويت هذا الارتفاع الفرصة على مؤسسة كهرباء لبنان لتعويض الهدرين التقني وغير التقني اللذين يتجاوزان 50 في المئة، بأقل التقديرات. فخلال السنوات الماضية لم تخفّض مؤسسة الكهرباء التعرفة بالتوازي مع تراجع أسعار النفط العالمية، رغم أن خطة الطوارئ تنص بوضوح في المادة السادسة منها على تعديل التعرفة كل شهر أو شهرين بحسب كلفة الإنتاج الحقيقية المعتمدة على سعر النفط العالمي، وفق سعر برميل نفط برنت. وبدلاً من تخفيض سعر الكيلوواط إلى نحو 15 سنتاً عندما وصل سعر البرميل إلى أقل من 60 دولاراً، أبقت المؤسسة التعرفة مرتفعة، كون هذه التعرفة تعوّض نسبة الهدر الكبيرة.
هل ترتفع الأسعار؟
الارتفاعات في أسعار النفط، المرشحة إلى مزيد من التفاقم، “تثير الخشية من استغلال مؤسسة كهرباء لبنان المادة 6 من خطة الطوارئ ورفع التعرفة”، بحسب الخبيرة في شؤون الطاقة، المحامية كرستينا أبي حيدر. فالإيرادات على سعر برميل نفط يقارب 60 دولاراً كانت تكفي لتأمين الكهرباء بين 4 و6 ساعات في اليوم الواحد، فيما لن تعود تكفي لتأمينها أكثر من ساعتين في ظل تضاعف سعر النفط وارتفاع الهدر.
عدا عن السرقة المباشرة من شبكة الكهرباء، المعروفة بـ”التعليق”، فإن “عدداً من الإدارات الرسمية والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة لا تزال، بمعظمها، لا تسدد المستحقات المالية المترتبة عليها، والتي بلغت حوالى 270 مليون دولار أميركي لغاية منتصف آذار الحالي”، تقول مؤسسة الكهرباء في بيان. “يضاف إليها استهلاكات مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، التي تبلغ حوالى 30 مليون دولار أميركي سنوياً، الأمر الذي ينعكس سلباً على تأمين المحروقات وزيادة ساعات التغذية بالتيار الكهربائي”.
ما تجاهلته المؤسسة عمداً لتبرير الانقطاعات في الأيام المقبلة هو أن سبب المشكلة يتمثل في عدم منطقية التعرفة الموضوعة، وأن هذه التعرفة وُضعت أساساً لتلبي كلفة الإنتاج في معامل متخلفة تُدار بشكل احتكاري بعيداً عن أبسط قواعد المنافسة والحوكمة الرشيدة.
الكلفة ستزداد
وحتى لو سلّمنا جدلاً ببقاء تعرفة الكهرباء الرسمية من دون تعديل، فإن المواطن سيدفع الفرق جراء ارتفاع تعرفة المولدات الخاصة، بحسب أبي حيدر. الأمر الذي سيؤدي إلى عجز الكثير من المواطنين عن تسديد الفواتير أو إلى تخفيف الأمبيراج، مما قد يدفع أصحاب المولدات إلى التقنين لتفادي عدم تسديد الفواتير بطريقة منظمة. وبحسب المعلومات، فإن سعر الكيلوواط ساعة من المولدات سيتراوح في نهاية هذا الشهر بين 60 و80 سنتاً، أي ما يرتب فاتورة لا تقل عن 70 دولاراً بالنسبة للمشتركين بالعدادات، ونحو 150 دولاراً للمقطوعة بقدرة 5 أمبير فقط.
الأمن الطاقوي
انقطاع النفط أو ارتفاع سعره يمثلان وجهي عملة “انعدام الأمن الطاقوي” الواحدة. والحل يجب أن يكون مبنياً على خطين متوازيين:
- فتح قطاع الطاقة على المنافسة، والسماح للقطاع الخاص بدخول سوق إنتاج الكهرباء من الباب العريض، إنتاجاً وتوزيعاً.
- التشجيع على إنتاج الكهرباء من الطاقة النظيفة وتوزيعها بحرية وسهولة ومن دون أي قيود.
وهذا الدور البالغ الأهمية مرتبط بالهيئة الناظمة للكهرباء، المنتظر أن تضع قوانينها الداخلية وتبدأ عملها بشكل جدي وفعلي، بما يتناسب مع تأمين الأمن الطاقوي للبنان بعيداً عن شراء الكهرباء بالدين أو استجرارها من وراء البحار أو عبر البر واليابسة.
الطاقة النظيفة
في الوقت الذي بلغت فيه الاستثمارات العالمية في مجال التحول الطاقي نحو 2.4 تريليون دولار عام 2024، وفقاً لبيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، منها 807 مليارات دولار في الطاقة المتجددة، ما زال لبنان متخلفاً عن الركب. فمع وصول الانتاج إلى ما يقارب 1500 ميغاواط من الطاقة المتجددة، ما زالت هذه الوحدات فردية وتفتقر إلى وحدات الإنتاج الكبيرة، كما أنها مكلفة في كثير من الأحيان نتيجة الأعطال وعدم قدرة الأفراد على شراء الأدوات الأصلية والبطاريات ذات العمر الطويل.
فرصة كبيرة
على الرغم من أهمية الدور الذي لعبته وحدات الطاقة الفردية في التعويض عن فقدان الكهرباء، فإنها لا تمثل أمناً طاقوياً للبنان. وما لم ننتقل إلى إنتاج أوسع قائم على شراكات حقيقية بين القطاع الخاص وأصحاب المنفعة، سيظل الأمن الطاقوي للبنان مفقوداً. وعلى المعنيين في قطاع الطاقة، وفي مقدمتهم الهيئة الناظمة للكهرباء، استغلال فرصة الحرب للتحفيز على زيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة، على قواعد واضحة وشفافة ومن دون التعقيدات البيروقراطية.
فالأزمة الحالية تشكل، بحسب مدير شؤون النفط والغاز في شركة “سينرجي” للاستشارات، راجات كابور، “حافزاً للحكومات والشركات لتسريع الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على أسواق النفط غير المتوقعة”. فالطاقة الخضراء لا تقتصر على كونها بديلاً لقطاعات الهيدروكربونات من حيث الأهمية الاقتصادية الإقليمية، بل تمثل أيضاً فرصة للاستثمار في الأمن الطاقوي.
ذلك أن مصادر التوليد الموزعة والمتناثرة على مساحات واسعة، والتي يصعب استهدافها بشكل حاسم بأدوات الحرب التقليدية أو الهجينة، تُعد اليوم، على الأرجح، أكثر أماناً من الهجمات مقارنة بالمحطات المركزية أو خطوط الأنابيب، بحسب الخبراء.
وعليه، فإن الطاقة المتجددة تمثل ملاذاً آمناً، إذ تحل مشكلة الجغرافيا السياسية والتكلفة بشكل حاسم، بحسب التحليلات. كما أن الحرب الحالية ستكون بمثابة جرس إنذار لتسريع إنتاج وتصدير السيارات الكهربائية وبقية التقنيات النظيفة من الدول المتطورة. فالأزمة الطويلة تعني إحلالاً أسرع للنفط في قطاع النقل، كما ستعيد أوروبا إحياء مشروعات توسيع الشبكات المتعثرة ومضخات الحرارة وطاقة الرياح البحرية. أما الهند ودول جنوب شرق آسيا فستسرّع برامج الطاقة الشمسية المحلية لتقليل الاعتماد على واردات النفط والغاز الطبيعي المسال.
فهل يستغل لبنان الفرصة ويعتلي طوق نجاة الطاقة، أم يترك حباله تلتف حول عنقه؟
