تراجع التدفقات النقدية يحوّل العجز التجاري إلى أزمة حقيقية

العجز التجاري

لم يَحِد الاقتصاد اللبناني في الربع الأول من عام 2026 عن السياق العام الذي يسير عليه منذ سنوات. فـ”من شبّ على شيء شاب عليه”، هكذا يقال في الأمثال الشعبية. بيد أن ما تحمّله لبنان في زمن الفتوّة، حين “فتلت” تدفّقات العملة الصعبة “عضلاته”، سيكون مرهقًا مع غزو “خصلات” الحرب، وارتفاع العجز التجاري، وتراجع الموارد “البيضاء”، رأسه.

قبل أقل من شهر على بدء حرب 2026، تفاقم العجز التجاري وسجّل الميزان التجاري عجزًا بنسبة 23% ليبلغ مليارًا و360 مليون دولار في نهاية كانون الثاني، مقارنةً بمليار و103 ملايين دولار في الفترة نفسها من عام 2025. وعلى أساس شهري، زاد العجز بنسبة 7% قياسًا إلى كانون الأول 2025، مسجّلًا مليارًا و268 مليون دولار.

الصادرات تتراجع 60%

وفي التفاصيل، استورد لبنان في كانون الثاني الماضي بضائع بقيمة مليار و527 مليون دولار، فيما صدّر بقيمة 170 مليون دولار فقط. وكان لافتًا تراجع قيمة الصادرات على أساس شهري بنسبة تجاوزت 60%، إذ كانت قد بلغت 430 مليون دولار قبل شهر واحد. في المقابل، تراجعت الواردات بنسبة أقل بكثير، بلغت 10% فقط، من مليار و698 مليون دولار في كانون الأول 2025 إلى مليار و527 مليون دولار في كانون الثاني الماضي.

الخشية على ميزان المدفوعات

ما يثير القلق ليس تراجع الصادرات مقابل استمرار الاستيراد بمستويات مرتفعة، إذ لطالما كان العجز في الميزان التجاري سمةً من سمات الاقتصاد اللبناني. وبقدر ما كانت هذه السمة تثير القلق، كانت في الوقت نفسه تدل على أن الاقتصاد ينمو ويستهلك، وأن دخل الأفراد يزداد. إلا أن مصدر الخوف الأساسي يكمن في احتمال عودة العجز إلى ميزان المدفوعات.

خلافًا لعام 2025، حين بلغ الفائض في ميزان المدفوعات 17 مليارًا و300 مليون دولار، أكثر من 3 مليارات دولار منها فائضًا حقيقيًا، فإن هذا الفائض مرشّح للتراجع وربما التحوّل إلى عجز في حال طالت الحرب. ففي الأيام الـ15 الأولى فقط من اندلاع الحرب، تراجعت احتياطيات العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان بقيمة 213 مليون دولار. كما انخفضت قيمة احتياطي الذهب بنحو 800 مليون دولار، من 47 مليارًا و750 مليون دولار إلى 46 مليارًا و952 مليون دولار. وبذلك، تراجعت أصول المصرف المركزي بأكثر من مليار دولار خلال أيام قليلة.

المقياس الأساسي لتحمل العجز الكبير في الميزان التجاري في الاقتصادات عامة ولبنان خاصة يبقى: استمرار التدفقات النقدية، وأن تفوق الداخلة تلك الخارجة. بمعنى أخر، ألا يكون العجز التجاري يستنزف العملة الصعبة، وألا تكون الواردات تموّل من الاحتياطيات أو الدين الخارجي. والمشكلة أن المصادر التاريخية للتدفقات النقدية بالعملة الأجنبية، والتي عادة ما تصنع الفرق في ميزان المدفوعات اللبناني، “معرضة للتراجع بالجملة، خلال العام الحالي. مع استمرار الحرب“، يقول الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة.  

التدفقات النقدية تتراجع

تراجعت التدفقات الناجمة عن الصادرات بشكل كبير في بداية العام، كما سبق أن أشرنا، ومن المتوقع أن تستمر في الانخفاض مع تعطّل النشاطين الاقتصادي واللوجستي في نحو ثلث مساحة لبنان، وتراجع أداء القطاع الصناعي بنسبة 50%، بحسب بيان رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير. فقد خرجت محافظات وأقضية أساسية للإنتاج الصناعي من الخدمة، وأُقفلت مؤسسات أو تعرّضت للتهدّم والتدمير. هذا  فضلًا عن استمرار غياب الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، وانخفاض القدرة التنافسية للصادرات اللبنانية نتيجة ارتفاع الأكلاف الإنتاجية، وفي مقدّمها الكهرباء. وقد أضيف إلى كل تلك الأعباء ارتفاع أسعار المواد الأولية المستوردة، بالتوازي مع زيادة أكلاف الشحن والتأمين والنقل.

بدوره، تلقّى القطاع السياحي، بوصفه أحد أبرز مصادر تدفّق النقد الأجنبي، ضربة قاسية، مع تراجع نسبة الإشغال في فنادق الخمس نجوم إلى أقل من 10%. كما انكمش نشاط مكاتب السياحة والسفر بنسبة 80%، وتهاوى الطلب على خدمات تأجير السيارات بنسبة 95%، بالتوازي مع انخفاض ارتياد المطاعم والملاهي بنحو 90%.

“تراجع المداخيل بالعملة الصعبة في اقتصاد مدوَّل هو أكثر ما يهدد القدرة على الصمود والحفاظ على الموارد”، وفق عجاقة. وسيرتب هذا التراجع، برأيه، نتيجة أحد أمرين:

  • إما التوجّه إلى مصرف لبنان لاستخدام الاحتياطي الإلزامي لتمويل الاقتصاد، الذي يحتاج إلى نحو 1.15 مليار دولار شهريًا.
  • أو تراجع الاستيراد دراماتيكيًا في حال عدم تلبية مصرف لبنان لطلبات الحكومة.

يقال، بنوع من التبسيط، إن لم نقل التسخيف، إن من شرب من بحر المشاكل والأزمات منذ الحرب الأهلية، مرورًا بالاغتيالات والانفجارات والفراغ في الحكم، ووصولًا إلى الانهيار الاقتصادي وما تلاه من أزمات، لن يغضّ الطرف عن هذه الحرب. وعادةً ما يُستتبع مثل هذا التعليق بتشبيه لبنان بـ”طائر الفينيق”، الذي يحوّل رماد احتراقه إلى حياة. وهذا جميل نظريًا ويحمل نوعًا من الواقعية عمليًا، لكن ما يحصل اليوم أصبح يشكل “تهديدًا للكيان”، برأي عجاقة. فما يحدث اليوم قد يشكل انتكاسة تُعيد لبنان إلى أسوأ مراحل الانهيار الاقتصادي. يترافق ذلك مع التوقع بمحدودية المساعدات الخارجية، لا سيما في حال انتهت الحرب بـ “ميوعة” مماثلة لما حصل في الحرب السابقة، بحجة الحفاظ على السلم الأهلي.

أول ثلاث دول على لائحة الاستيراد والتصدير

حلّت سويسرا في المرتبة الأولى كأكثر الدول المستوردة للبضائع منها، بنسبة 13.9%، تلتها الصين بنسبة 11.9%، ثم الإمارات العربية المتحدة بنسبة 10.3%. وكانت أهم المنتجات المستوردة: اللؤلؤ والأحجار الكريمة والمعادن بنسبة 26.83% بقيمة 410 ملايين دولار، والمنتجات المعدنية بنسبة 18.33% بقيمة 280 مليون دولار، ومنتجات الصناعات الكيميائية أو المرتبطة بها بنسبة 9.53% بقيمة 146 مليون دولار.

على صعيد الصادرات، تصدّرت الإمارات العربية المتحدة وتركيا والجمهورية العربية السورية الوجهات الثلاث الأولى، مستحوذة على حصص بلغت 15.98% و13.74% و10.19% على التوالي من إجمالي قيمة الصادرات. أما أهم المنتجات المصدرة فكانت: اللؤلؤ والأحجار الكريمة والمعادن بنسبة 27.45% بقيمة 47 مليون دولار، والمعادن الأساسية ومصنوعاتها بنسبة 16.26% بقيمة 28 مليون دولار، والمواد الغذائية والمشروبات والتبغ بنسبة 13.11% بقيمة 22 مليون دولار.