إن المحافظة على الاستقرار الماكرو اقتصادي من خلال سياسة نقدية وسياسة سعر صرف سليمة شرط اساسي لتحفيز الاستثمارات الخاصة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. وقد لعب مصرف لبنان خلال العقود الماضية، دورًا أكبر بكثير من الدور الأساسي لأي مصرف مركزي آخر يعمل في ظروف طبيعية.
مع استمرار الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية على صعوباتها وتعقيداتها، خلال السنوات الماضية في لبنان، زادت نسبة الدولرة التي أدت الى ضغوطات في سوق العملات الأجنبية، واستشرى الاقتصاد النقدي. وقد أدى ذلك إلى مطالبة لبنان باتخاذ إجراءات وقائية متشددة، في إطار العمل بمقتضى التزاماته بمكافحة الإرهاب وتبييض الأموال، الأمر الذي استوجب اتخاذ تدابير متشددة أدت إلى التضييق على التحويلات المالية من الخارج إلى لبنان. أما الحسابات الجديدة المفتوحة لدى المصارف بعملات أجنبية، فقد اقتصرت حركتها على “تغذية حذرة ” تستدعي السرعة في تحويل المبالغ المودعة في هذه الحسابات لتسديد مستحقات وتمويل معاملات وعميات في الداخل أو مع الخارج، تقتضي سحب هذه المبالغ خلال أيام. .
منذ انهيار 2019، الذي أدى إلى شلل المصارف وتوقفها عن أداء دورها الائتماني والمساهمة في تمويل الانشطة الاقتصادية، وحتى اليوم، لم يعد يملك مصرف لبنان تلك الأدوات المالية والنقدية طويلة الأمد التي كانت متوفرة له لتأمين الاستقرار النقدي وتفادي الوقوع في أزمة مالية، لا سيما وأنه لم يعد قادراً على إصدار شهادات إيداع إلزامية بالدولار، ولا إلى التاثير على أمد استحقاق الإيداعات التي كان يمكن أن تساعد في تهدئة الوضع الصعب والحدّ من الأزمة المستمرة منذ سبع سنوات.
اليوم، ومع المباشرة بتنفيذ اإصلاحات اقتصادية تقودها وزارة المالية، وفي ضوء دعم المجتمع الدولي، المحتمل بعد أن تضع الحرب الجارية أوزارها، والذي يرتقب أن يضع شروطه لتوفير هذا الدعم في سبيل تحريك الاستثمارات وإحداث النمو المستحب في الاقتصاد، نجد مصرف لبنان في وضع ضاقت هوامش عمله فيه ووتراجعت قدرته على تنفيذ مهمته الرئيسية المتمثلة بالحفاظ على استقرار الأسعار، من خلال استخدام الأدوات النقدية القصيرة الأمد. وفي الوقت ذاته، تراجعت قدرته على انتهاج سياسة نقدية مستقلة. ولم يعد متاحاً للحكومة اللجوء إلى أي اقتراض مباشر من مصرف لبنان كان يمكن أن يؤول إلى تحسين الوضع المالي من خلال التنسيق مع السلطات المالية. وكذلك انتفى عامل تخفيض معدلات الفائدة، الذي كان يمكن تحقيقه من دون التسبب بضغط كبير على احتياطي العملات الاجنبية، الذي تضاءل بفعل تجميد الودائع، وكذلك انتفت قدرة هذا المصرف على التأثير في معدلات الفائدة، التي من شأن انخفاضها في الظروف العادية خفض الهامش على الودائع بالدولار، وزيادة مستوى اقتراض القطاع الخاص ويحوّل السيولة الفائضة في القطاع المصرفي إلى الاستثمار من قبل القطاع الخاص في المشاريع المنتجة.
وحيث أن مستوى احتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، وتراجعها إلى حدود بعيدة عما كانت عليه قبل الانهيار، ولم يعد كافيًا ومناسبًا لامتصاص السيولة الأمر الذي يؤدي حكماً إلى زيادة كلفة التعقيم المالي.
وفي إطار الجهود الهادفة الى التركيز على مهمة مصرف لبنان الرئيسية، تندرج الدعوات للتخلي عن الاصول التي لا تتضمنها عادًة محفظة المصرف المركزي، غير أنها موجودة لأسباب خاصة قديمة، ومنها أسهمه في شركة طيران الشرق الأوسط، ومساهمته في شركة إنترا للاستثمار، التي تملك بدورها جزءاً ن اسهم كازينو لبنان. وهنا يجب التوقف للبحث بشكل جدي والتفكير ملياً بحاجة مصرف لبنان ومبرر استمراره بتملك اسهم في شركة طيران الشرق الأوسط ، كما في استمرار احتكار شركة الطيران الوطنية للقطاع، كما في مبرر استمرار مساهمته في انترا ومن خلالها في كازينو لبنان، بحيث يعاد النظر في هذا الوضع في ضوء مقتضيات منع الاحتكار وتوسيع المنافسة والإيجابيات التي يمكن تحقيقها من خلال فتح المجال لدخول شركات جديدة وخفض الأسعار لقاء خدمات ربما تكون أفضل.
إن سياسة استقرار سعر الصرف هناك من كان يراها ملائمة للبنان وأنها دمته وأنها ما تزال مفيدة برغم تغير الظروف للمحافظة، إن لم يكن على الثقة، فعلى استقرار الاسعار، دون التأثير على قدرة الاقتصاد التنافسية، التي ما زالت تشكل مصدر قلق، بانتظار فرصة تحقيق إصلاحات أساسية تنبثق عن برنامج إصلاح اقتصادي يساهم في تفعيل اقتصاد وطني تنافسي.
دور مجلس النقد في ضبط توترات سعر الصرف
مجلس النقد (Currency Board) هو سلطة نقدية متشددة تصدر عملة وطنية مغطاة بالكامل (100%) بعملة أجنبية قوية مثل الدولار. وتلتزم بتحويل العملة المحليّة بسعر صرف ثابت.
يهدف هذا النظام إلى تحقيق استقرار فوري للعملة، القضاء على التضخم، ومنع البنك المركزي من طباعة العملة دون تغطية، ويطرح المعهد اللبناني لدراسات السوق مجلس النقد حالياً كحل للأزمة في لبنان.
أهم خصائص مجلس النقد هو تأمين تغطية كاملة للعملة الوطنية، ويوجب أن تقابل كل ليرة في التداول ما يعادلها من الدولار في خزينة مجلس النقد. واعتماد سعر صرف ثابت للعملة المحلية مقابل عملة مرجعية يحدده المجلس و لا يتغير، مثلاً: 1 دولار = X ليرة وكذلك يوجب تطبيق قيود صارمة، بحيث لا يمكن للمجلس إقراض الحكومة أو تمويل العجز المالي، مما يمنع خلق النقد من عدم.
يتمثل الفرق بين مجلس النقد والمصرف المركزي في أن البنك المركزي التقليدي يمكنه طباعة النقد والتحكم في أسعار الفائدة، بينما مجلس النقد لا يمتلك هذه المرونة، مما يجعله نظاماً جامداً ولكنه يضمن الاستقرار النقدي.
المعهد اللبناني لدراسات السوق يطُرح مجلس النقد كبديل جذري لحل أزمة لبنان الاقتصادية والمصرفية، ويهدف بشكل أساسي إلى حماية المودعين واستقرار العملة بعد انهيار قيمة الليرة. ويبرر الهدف من اعتماد هذا المجلس بأنه سبيل لاستعادة الثقة بالعملة الوطنية ووقف تدهور سعر الصرف.
إن مجمل الظروف والمتغيرات والعوامل السلبية القائمة والتي تساهم في تشكيل الضغوطات على الأوضاع الاقتصادية والمالية في لبنان، وتحدّ من انسياب رؤوس الأموال إليه، ومن إمكانية توفير شروط وظروف أفضل للنمو، تجعل من تفعيل دور مصرف لبنان ورفع مستوى أدائه، أمراً شديد الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً، ما لم ينعم لبنان باستقرار أمني وسياسي يساهم في استعادة ثقة الخارج بالاقتصاد اللبناني وثقة المودعين بنظام لبنان المصرفي، فهل تتحقق المعجزة؟!
غسان بيضون
مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه
خبير في المعهد اللبناني لدراسات السوق
