الارتفاع بالأسعار الذي شهدته البطاطا في شهر آذار يعود بشكل أساسي إلى “زيادة الطلب عن العرض”، بحسب ما تفيد أوساط التجار. ففي 19 آذار أُقفل باب استيراد البطاطا من مصر، تمهيداً لاستقبال الأسواق البطاطا العكارية، بدءاً من مطلع نيسان. والكميات الكبيرة التي كانت مخزّنة في البرادات في نهاية العام الماضي، والتي وصلت إلى 40 ألف طن، جرى تسويقها خلال الأشهر الثلاثة الماضية. كما أن الطلب عليها شهد زيادة لافتة من الخارج مع بدء الحرب على إيران، وما رافقها من تعطل سلاسل الإمداد البحري وتأخر وصول البضائع والخوف من انقطاع المواد الغذائية.
الزراعة تفتح باب الاستيراد
إزاء هذا الواقع المستجد، واستجابةً للتحديات المعيشية الراهنة، سمحت وزارة الزراعة باستيراد كمية محدودة من البطاطا، تمهيداً لضخّها مباشرة في الأسواق المحلية، بما يساهم في ضبط الأسعار والحد من التقلبات، ريثما يبدأ إنتاج البطاطا في عكار بالظهور في الأسواق اعتباراً من الأسبوع الأول من هذا الشهر. ومن المقدّر أن تتوفر الكميات المحلية بشكل كافٍ لتغطية كامل الطلب في السوق بحلول منتصف الشهر نفسه.
الأسعار تتراجع أكثر من 100%
بموجب هذه المبادرة، سيتراجع سعر البطاطا بنسبة 114% في أسواق بيع الخضار بالجملة (الحسبة) من 75 ألف ليرة إلى 35 ألف ليرة. وسيتم توفير البطاطا في المتاجر وسوق المفرق بسعر حده الأقصى 40 ألف ليرة للكيلوغرام، وذلك بعدما كان تجاوز 100 ألف ليرة في أكثرية المحال.
خطوة وزارة الزراعة التي جرى تنسيقها مع نقابة مزارعي البطاطا في البقاع، لاقت ترحيب رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين إبراهيم الترشيشي، كونها “تخفف عن المواطنين الأعباء المعيشية، بعدما وصل سعر البطاطا في شهري شباط وآذار إلى معدلات مرتفعة، نتيجة فقدان الإنتاج المحلي”. وعادة ما تكون أسعار السلع المستوردة أعلى من المنتجة محلياً. وقد زاد السعر أكثر في الآونة الأخيرة نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وتعطل سلاسل الإمداد وارتفاع أكلاف التأمين على الشحنات إلى مستويات قياسية.

الانخفاض يجب أن يكون شاملاً
إعلان وزارة الزراعة عن مجموعة من المتاجر التزمت ببيع البطاطا بسعر منخفض، لا يعني انخفاضاً حتمياً في سعرها على كامل مساحة الوطن، إذ إن هناك فجوة عميقة بين المزارعين وأسواق الجملة، وبينهما وبين المحال التجارية، ولا سيما المنتشرة بكثرة في القرى والمناطق. ففي الوقت الذي كان يُسلِّم فيه المزارع سعر كيلو البطاطا بـ 25 ألف ليرة في شهري كانون الأول والثاني الماضيين، كان يُباع بأكثر من 50 ألف ليرة في العديد من المتاجر، أي بزيادة 100% عن سعر التسليم المباشر من المزارع. وحتى بعد احتساب أكلاف سوق الجملة وكلفة النقل وأكلاف محلات البيع من المفرق، فإن نسبة الربح الموضوعة تبقى أعلى بكثير. وعادة ما يستغل التجار صعوبة وصول المستهلكين إلى المتاجر الكبيرة أو الأسواق العامة، وتكبّدهم مبلغاً أكبر مما سيدفعونه زيادة بأسعار السلع، فيرفعون السعر كما يشتهون.
خطة الاستجابة
مبادرة وزارة الزراعة التي أتت كإجراء مرحلي ضمن خطة استجابة متكاملة، تُعنى بدعم القدرة الشرائية والحفاظ على توازن العرض والطلب، ترافقت مع تحذيرات من التلاعب بالكميات واحتكارها من تجار معينين. فالخطوة التي تمثل نموذجاً يُحتذى به وخطوة فريدة، “تبقى مرهونة بخواتيمها”، بحسب الترشيشي، وخصوصاً أنها تحت التجربة. ويفترض برأيه “الالتزام بالسعر المنخفض، وألا يتجاوز مبيع البطاطا سعة 10 كلغ الـ 400 ألف ليرة، من أكبر متجر لأصغره في مختلف القرى والمناطق اللبنانية”. ويحذر الترشيشي من “الاستفراد بالبضائع أو احتكارها أو تخزينها أو التلاعب بالأسعار على أساس أنها من البطاطا القديمة”. ويطلب أن “يكون هناك متابعة يومية لمنع تحول المبادرة من فرصة لتخفيض الأسعار وحماية المستهلك إلى فرصة للتربح على حساب المزارع والمنتج والمواطن”.
وزارة الزراعة من جانبها أوضحت أن عملية توزيع البطاطا ستُستكمل ابتداءً من اليوم لتشمل كل المناطق اللبنانية، بما يؤمّن وصول الكميات المتوافرة إلى مختلف المناطق، وبخاصة تلك التي تشهد ارتفاعاً في الطلب. وشددت على “استمرارها في العمل إلى جانب المزارع والمستهلك، عبر سياسات ومبادرات عملية تواكب التحديات، وتُرسّخ صمود القطاع الزراعي كركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني”.
الحل الدائم
إجراء وزارة الزراعة المتخذ بـ”حسن نية”، من أجل الحد من ارتفاع الأسعار في ظل الظروف الدقيقة التي يمر بها العالم عموماً، ولبنان خصوصاً، يبقى ظرفياً بالشكل، ويمثل تدخلاً في آلية عمل الأسواق وتحديد الأسعار في المضمون.
“هذان الشكلان يعيدان إلى الأذهان مرحلة دعم السلع عقب الانهيار الاقتصادي، وما رافقها من انقطاع للسلع والمواد وارتفاع أسعار وتربح بعض التجار من دون وجه حق، وتحكم أقلية بمصير الأكثرية”، بحسب أحد المعنيين. و”للخروج من هذه الحالات يتطلب لمرة واحدة ونهائية إلغاء القيود التجارية والخروج من آلية الرزنامة الزراعية المبنية على وقف الاستيراد لسلع محددة عند بدء إنتاجها محلياً”.
فعدا عن كون هذا الإجراء تقييدياً، ويقابل من الدول الأخرى بإجراءات مماثلة تعيق تصدير المنتجات المحلية، فهو سبب من أسباب تراجع القطاع الزراعي محلياً وعدم العمل على تطويره وزيادة كفاءته، وإهمال المزارعين لوسائل العمل الحديثة واعتماد كل ما من شأنه تخفيض الأكلاف الإنتاجية، ما يؤدي تلقائياً إلى إبقاء الأسعار مرتفعة.
حماية الإنتاج المحلي من المنافسة تُبقي القطاع الزراعي بمعظمه بدائياً، ويستمر بالتالي بتقديم منتجات متنوعة وبأسعار مرتفعة. ويفسح المجال للتحكم بالأسعار نتيجة محدودية المعروض مهما بلغ، ويقلل من فرص التصدير للخارج والحصول على العملة الصعبة.
في المقابل، فإن فتح السوق على المنافسة يُخرج تلقائياً المنتجات ذات الكلفة المرتفعة، ويحفّز على استعمال الوسائل الحديثة واستثمار فعال للحيازات والتخصص بالمنتجات ذات الجودة العالية والسعر المنخفض، ما يسهم بتراجع الأسعار على المستهلكين وتطور القطاع الزراعي وزيادة الصادرات التخصصية. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، فإن زراعة القنب الهندي هي واحدة من هذه الزراعات التي سبق لخطة ماكينزي أن أوصت بها.
الإستثمار في القيمة المضافة هي ما يهم اليوم في الاقتصاديات المعاصرة، وكل ما من شأنه ألا يقدم هذه القيمة يبقى عبئاً على المنتجين والمستهلكين على حد سواء، وعلى الدولة أيضًا.
