أقرّ مجلس الوزراء قرضًا جديدًا بقيمة 200 مليون دولار لبرنامج “أمان”، مُكرّسًا بذلك مسارًا طويلًا من سدّ الحاجات بدلًا من خلق القدرات.
يعود تاريخ “أمان” إلى أيلول 2024، عندما وحّدت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مشروعي “الشبكة الطارئة للحماية الاجتماعية” ESSN و”استهداف الأسر الأكثر فقرًا” NPTP ببرنامج واحد. وقد كان الهدف منه تأسيس برنامج وطني عادل ودائم للحماية الاجتماعية.
القروض قاربت المليار
ما بعد “أمان” لا يختلف عمّا قبله. فالبرنامج يقدّم مبلغًا ماليًا حدّه الأقصى 150 دولارًا شهريًا، لـ162 ألفًا و251 أسرة لبنانية، فيما يعتمد التمويل على قروض من البنك الدولي، وصلت قيمتها مع القرض الأخير إلى 900 مليون دولار.
بدأت سياسة دعم الفقراء في العام 2021، مع انهيار القدرة الشرائية للمداخيل، بالتزامن مع اشتداد وطأة أزمة كورونا وتوقّف الدعم على السلع. فاتفق لبنان مع البنك الدولي على قرض بقيمة 246 مليون دولار لدعم 150 ألف أسرة بمبالغ نقدية مباشرة.
وفي أيار 2023، أُعيد تجديد القرض لمرة ثانية، وجرت زيادة قيمته إلى 300 مليون دولار، على أن يتوسّع نطاق التقديمات المادية لتشمل 160 ألف أسرة ولمدة 24 شهرًا. وقد أُضيف إلى لوائح المستفيدين 92 ألف طالب، يُعطَون مبلغًا سنويًا مقطوعًا يتراوح بين 285 و425 دولارًا، واتُّفق على دعم 400 مركز للخدمات الإنمائية.
وفي نهاية كانون الثاني من العام الحالي، وافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي على تمويل جديد بقيمة 350 مليون دولار أمريكي، بناءً على طلب الحكومة. وينقسم التمويل إلى شقّين: 200 مليون لتلبية الاحتياجات الأساسية للفقراء والفئات الأكثر ضعفًا خلال مرحلة تعافيه الاقتصادي والمالي، و150 مليون دولار لدعم تسريع التحوّل الرقمي وتمكين المواطنين من الوصول إلى الخدمات الحكومية الأساسية والفرص الاقتصادية.
المبالغ رمزية
قبل الدخول في المضمون، يبرز سؤال في الشكل: لماذا تعلن الحكومة عن قرض سبق أن طلبته منذ العام 2025، فيما أعلن البنك الدولي رسميًا موافقة مجلس المديرين التنفيذيين عليه في 27 كانون الثاني 2026؟ هل الهدف الإيحاء بأن الجهود متواصلة لمساعدة المواطنين في أصعب الظروف التي يمرّ بها البلد، أم الإعلان عن إجراء تقني مفاده أن الحكومة ستحيل القرض بمرسوم إلى مجلس النواب للموافقة عليه؟ في الحالتين، فإن الأمر غير مبرّر؛ فمبلغ 200 مليون دولار لا يكفي، في ظل ارتفاع كلفة إيواء النازحين الشهرية إلى مبلغ بتجاوز هذا الرقم. ومن جهة أخرى، لماذا تأخّرت الحكومة أكثر من شهرين في إحالته إلى مجلس النواب للموافقة عليه؟ وعلى ما يبد فإن القرض بقمية 200 مليون دولار الذي تعاقدت عليه الحكومة في العام الماضي من أصل مبلغ إجمالي قدره مليار دولار جرى تجميده، والانتقال إلى قرض جديد وسريع.
في المضمون، تبدو الأمور أعقد بكثير. فالمبلغ المخصّص للأسرة قليل، بل قليل جدًا، ولا يطال أكثر من ربع الأسر المحتاجة، إذا أخذنا بتقديرات البنك الدولي بأن 70% من اللبنانيين يعانون من فقر متعدّد الأبعاد، فيما ارتفعت نسبة الفقر النقدي من 12% في العام 2021 إلى 44% في العام 2022. هذا فضلًا عن أن الكلفة الإجمالية كبيرة؛ وبغضّ النظر عمّا إذا كان القرض ميسّرًا، فإنه يبقى متوجب السداد بفوائد تتراوح بين 3% و5%. وإذا أُضيف إلى ما سبقه من قروض، يصبح الرقم كبيرًا جدًا، ما يفاقم الأعباء على لبنان في وقت يسعى فيه إلى خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي، لا زيادتها.
تطوير الحماية الاجتماعية
تخصيص جزء من القرض، يوازي 33% من قيمته، لـ«الرقمنة» أمر مهم. إلا أن هناك مشاكل أكبر وأعمق بكثير من تخلّف البنية الرقمية، التي تؤثّر سلبًا على الحوكمة والشفافية الاجتماعية في لبنان، بحسب الزميلة الرئيسية ومديرة برنامج الحماية الاجتماعية في مبادرة الإصلاح العربي، فرح الشامي. فـ”رقمنة نظام الحماية الاجتماعية بشكل كامل قد تحرم فئة كبيرة من الفقراء من الوصول إلى المساعدات الاجتماعية، بغضّ النظر عمّا إذا كانت مادية أو عينية أو حتى دورات تدريبية على مهارات ومهن. فهذه الفئة لا تملك وسائل التواصل، وإن امتلكتها فهي تفتقر إلى معرفة استخدامها. كما أن الكثير من المواطنين في المناطق النائية لا يملكون القدرة على الوصول إليها، نتيجة ضعف أو انقطاع الكهرباء والإنترنت“. ومن المفترض تفعيل مراكز الحماية الاجتماعية في مختلف المناطق، ولا سيما النائية منها، من أجل الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأفراد المحتاجين.
عدا عن القروض المباشرة من البنك الدولي، يُضخّ في برنامج «أمان» كل المساعدات والمنح التي تحصل عليها وزارة الشؤون الاجتماعية من الجهات المانحة، سواء كانت مؤسسات أو دول. إلا أن هذه الأموال تُدار ضمن إطار ضيّق، ولا تُترجم إلى نظام ضمان اجتماعي شامل. فهي تُخصَّص للمسجّلين أساسًا، ولا تطال شرائح جديدة، وذلك على الرغم من رفع قيمة التقديمات، وهو ما يمثّل توسّعًا عموديًا، فيما المطلوب، بحسب الشامي، “التوسّع الأفقي لتطال المساعدات أكبر شريحة ممكنة من المواطنين”. وصحيح أن قيمة الدعم ازدادت بعد الحرب، إلا أنها بقيت مخصّصة لنفس العائلات، ومن المفروض أن تكون عادلة وشاملة، لا محصورة بفئة دون أخرى. كما أن هذه الزيادات لم تأخذ بعين الاعتبار الارتفاع الكبير في الأسعار التي سببته حرب إيران، حيث تشير التقديرات إلى أن نسبة التضخم قد ترتفع على أساس شهري إلى أكث رمن 30%، وذلك بعدما كانت انخفضت مطلع العام الحالي إلى أقل من 13% بحسب الاحصاء المركزي.
الاقتراض من أجل الاستهلاك
هذا من الناحية الاجتماعية، أمّا من الناحية الاقتصادية، فإن الاقتراض من أجل الاستهلاك يُعدّ من أسوأ أنواع الاقتراض، سواء للدول أو للأفراد. فلو استُخدمت هذه القروض في مشاريع إنتاجية لامركزية، بالتعاون بين البلديات والقطاع الخاص، في الكهرباء أو النقل أو المياه أو الإنترنت، لكانت قد ولّدت عشرات آلاف فرص العمل، وخفّضت الأكلاف على جميع المواطنين، وزادت معدّلات النمو، وحسّنت تلقائيًا الأمن الاجتماعي، وخفّضت نسب الفقر. وهذا ما لم يحدث، ولن يحدث، على ما يبدو.
في المحصّلة، بلغ مجموع القروض نحو 900 مليون دولار، من دون أن تتراجع نسبة الفقر، أو يزداد عدد المستفيدين بشكل كافٍ. وحتى نظام الحماية الاجتماعية، وإن تطوّر نظريًا، لا يزال على أرض الواقع متخلّفًا، ويحتاج إلى الكثير من الجهد والعمل.
