يُطرح التساؤل، قبل نحو شهر من انعقاد اجتماعات الربيع للبنك الدولي و صندوق النقد الدولي، حول مدى قدرة لبنان على الوفاء بالمتطلبات اللازمة لإبرام اتفاق مع الصندوق، ولا سيما فيما يخص تحقيق زيادة في الإيرادات، وخفض النفقات العامة، ومعالجة أعباء الدين، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
تتسم متطلبات صندوق النقد الدولي بطابعها الصارم وبمقاومتها الشديدة للتغيير، وهو ما يستدعي استحضار السياق التاريخي الراهن والمقارنة بين الأزمة الحالية وما شهده لبنان في مرحلة سابقة. فقد عاش لبنان ظروفاً مشابهة لما يمر به اليوم في أعقاب عام 2006، حين أُطلقت برامج إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد ضمن مؤتمر باريس، وتدفّقت آنذاك موارد مساعدات خارجية واسعة النطاق أسهمت في دعم مسيرة التعافي.
يُعوَّل اليوم على أن تتكرر هذه التجربة في المرحلة الراهنة، وأن يُعاد توجيه تدفقات المساعدات الدولية نحو لبنان بصورة تُخفّف الضغط المتراكم على الموازنة العامة للدولة. ذلك أن إمكانيات هذه الموازنة تبقى محدودة، وعلى الرغم من وجود بعض الاحتياطيات، فإنها تظل قاصرة عن مواجهة حجم الأزمة والاستجابة لمتطلباتها الشاملة.
تستدعي المرحلة الانتقالية الراهنة توافر إرادة سياسية حقيقية وقدرة مؤسسية فعّالة على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية العميقة التي طالما أخّرها القصور في الحوكمة وتشابك المصالح. ويُعدّ ملف إعادة هيكلة القطاع المصرفي من أكثر الملفات تعقيداً وأشدّها حساسية، نظراً لما ينطوي عليه من تداخل بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات السياسية. غير أنه يبقى في الوقت ذاته من أكثر الملفات إلحاحاً، إذ لا تعافي مالياً مستداماً دون معالجة جذرية للاختلالات البنيوية المتجذّرة في هذا القطاع.
يُضاف إلى ذلك أن التحديات المتعلقة بتوسيع قاعدة الإيرادات تتشابك مع إشكاليات التهرب الضريبي وضعف الامتثال، فضلاً عن القصور في منظومة الجباية التي أفضت إلى تآكل ملحوظ في موارد الخزينة على مدى سنوات. ويُشكّل تحسين كفاءة الإنفاق العام، والحد من الهدر، ومكافحة الفساد المستشري، ركائز أساسية لا غنى عنها في أي برنامج إصلاحي جاد يطمح إلى استعادة ثقة المؤسسات الدولية وإرساء قواعد التوازن المالي على أسس سليمة ومستدامة.