ما بعد 2 آذار 2026، تاريخ تجدّد الحرب مع إسرائيل، لن يكون كما قبله بالنسبة إلى لبنان. الكثير من المؤشرات الماكرو-اقتصادية قد تشهد تحولات جذرية، ولا سيّما إذا طالت الحرب. أولى هذه المتغيرات ستكون زيادة الضغوط على المالية العامة في ظل تراجع القدرة على تحقيق فائض في موازنة 2026. وهذا المتغير سيشكّل أحد أهم البنود في المناقشات التي سيجريها الوفد اللبناني المصغّر مع المعنيين في صندوق النقد والبنك الدوليين، في إطار اجتماعات الربيع التي انطلقت اليوم وتستمر حتى 18 الجاري.
على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، نجحت الإجراءات المالية التصحيحية، المعطوفة على استقرار سعر الصرف عبر إدارة السيولة والحد من الكتلة النقدية المتداولة، في تحقيق فائض في الموازنة العامة. وقد تجاوز هذا الفائض 363 مليون دولار في نهاية عام 2023، وارتفع إلى 792 مليون دولار في عام 2024، ليبلغ نحو مليار دولار في نهاية عام 2025.
إيجابيات فائض الموازنة
لم يساعد الفائض المحقق في الموازنة على ضبط الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي فحسب، إنما أيضًا على تحويل ميزان المدفوعات إلى فائض بعد سنوات طويلة من العجز، إذ تجاوز صافي الفائض فيه (أي الفرق بين التدفقات الداخلة والخارجة من العملات الأجنبية) 3 مليارات دولار في نهاية عام 2025. كما ساهم هذا الفائض في تعزيز احتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، التي بلغت نحو 12 مليار دولار مطلع عام 2026، وفي زيادة ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان إلى حدود 9.2 مليار دولار.
كل هذه الأرقام كانت بمثابة “الخميرة” التي راكمها لبنان لتعزيز مكانته في المجتمع الدولي، وترسيخ ثقة الدول المانحة به، ما يمكّنه لاحقًا من التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي في أقرب وقت ممكن، والحصول على الهبات والقروض الإنمائية. إلا أن التوقعات الإيجابية التي بنت الحكومة عليها حساباتها المالية للعامين 2026 و2027 بدّلتها الحرب”، يقول وزير الثقافة د. غسان سلامة. و”إن كان هذا الأمر طبيعيًا، نظرًا لاحتمال تراجع الإيرادات وزيادة النفقات، فإنه سيترتب علينا إعادة النظر بعدد من التعهدات التي قطعناها في ما يخص الاستمرار في تحقيق الفوائض المالية”.
تحوير وجهة قروض البنك الدولي
إذا كان الواقع المالي سيشكّل جزءًا أساسيًا من المحادثات التي سيجريها الوفد اللبناني مع المسؤولين في صندوق النقد الدولي في واشنطن خلال اجتماعات الربيع، فإن الجزء الثاني الذي لن يقل أهمية “سيكون من خلال التواصل مع البنك الدولي”، بحسب سلامة، “حيث ستتركز المباحثات على تغيير وجهة عدد من القروض لتُستخدم في أغراض المعونة والإغاثة”.
وبقدر ما يحتاج لبنان إلى مساعدات طارئة لإدارة تداعيات الحرب وما فرضته من متطلبات اجتماعية وإنسانية، فإنه سيحرم من قروض تنموية هو بأمسّ الحاجة إليها، ليس فقط لتطوير القطاعات، بل أيضًا لزيادة الناتج المحلي وتمكينه لاحقًا من تسديد تلك القروض. أما الاعتماد على القروض للاستهلاك، فسيكون مكلفًا بشكل كبير على الاقتصاد في المستقبل.
الأمور ليست بهذا السوء، ولكن!
الواقع المالي الضبابي الذي فرضته الحرب، يقابله وضوح تام في ملفين أساسيين، قطع لبنان شوطًا طويلًا في التفاهم عليهما مع صندوق النقد الدولي:
- الأول يتعلق بالإصلاح المصرفي، والذي سيُستتبع ببحث تقني معمّق في قانون الفجوة المالية.
- الثاني هو إطار المالية العامة متوسط الأجل، أو ما يُعرف تقنيًا بـ MTFF (Medium-Term Fiscal Framework)، وهو برنامج لتنظيم المالية العامة على مدى 3 إلى 5 سنوات، يهدف إلى ضبط العجز المالي، ووضع مسار واضح للإيرادات والنفقات، وضمان استدامة الدين العام.
إلا أن هذين التفاهمين، على أهميتهما، لا يعنيان أن التوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين (Staff-Level Agreement – SLA) أصبح قريبًا، بحسب مصادر معنية. فهذا الاتفاق، الذي عادة ما يسبق اتفاق الاستعداد الائتماني (Stand-By Arrangement – SBA)، يتضمن شروطًا مسبقة على لبنان الالتزام بها، إضافة إلى مؤشرات أداء يجب تحقيقها، لكي يحصل على التمويل المقدر، بحسب أفضل السيناريوهات، بنحو 3 مليارات دولار، تُصرف على دفعات تمتد لنحو ثلاث سنوات. من دون أن يعني ذلك عدم البحث مع صندوق النقد الدولي في إمكانية الحصول على مساعدات طارئة لتغذية الموازنة وتعزيز الوضع النقدي والاحتياطي، بحسب المصدر.
الاعتماد على الموارد الذاتية
من الآن وحتى ذلك الحين، لا بديل أمام لبنان لتأمين التمويل سوى الاعتماد على مصادره الداخلية. إلا أن مشكلة هذه المصادر لا تكمن في محدوديتها فحسب، بل في أن استخدامها يرتّب مخاطر نقدية واقتصادية. فالصرف سيبدأ أولًا من الموجودات بالليرة، التي تشكّل الكتلة الأساسية في حساب الدولة لدى مصرف لبنان، بحسب المصدر، في حين أن احتياطيات الدولار لا تشكّل أكثر من 25%، وتمثل خط الدفاع الثاني.
وعلى الرغم من خطورة الأوضاع، لا تزال الأمور حتى الآن مضبوطة من الناحيتين المالية والنقدية. فطالما تلتزم الحكومة بسقف الإنفاق المحدد في موازنة 2026، فإن الارتدادات السلبية على الاستقرار لن تكون كبيرة. أما على الصعيد النقدي، فإن الالتزام بضوابط منع إقراض الدولة، والاستمرار في التدخل المدروس والموزون في سوق الصرف، سيجنّبان العملة التراجع مقابل الدولار، أقله للأشهر القليلة القادمة في حال استمرت الحرب. وبالتالي الحد من إضافة ضغوط تضخمية جديدة، إلى جانب التضخم المستورد الناتج عن ارتفاع أسعار النفط والتأمين والنقل.
في المحصلة، يبقى أن قدرات المالية العامة ومصرف لبنان ليست بلا حدود، وهي تتطلب وقف الحرب اليوم قبل الغد. فمع عودة الاستقرار الأمني، تعود تدفقات الدولار، سواء من المغتربين أو السياح أو المساعدات أو الاستثمار، ما يساهم في الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، وكبح التضخم، وتسيير المرافق العامة، والانطلاق في تنفيذ بقية الإصلاحات الأساسية.
بدلا من أن تزهز الإجراءات الحثيثة التي اتخذها لبنان على مدى الأعوام القليلة الماضية في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين لهذا العام، استحالت خريفا ملبدا بغيوم اللايقين. أما في حال طال أمد الحرب، فإن كل الاحتمالات تنذر بمسار لن يكون إيجابي، حيث يصبح من الصعب الرهان على الاستقرار، أو استعادة التوازن المالي الذي تحقق سابقًا، والذي شكّل إنجازًا مهمًا ما زلنا نستعلمه لغاية اليوم.
