بين الذهب و البيتكوين… ما الذي يحمي ثروة اللبناني في زمن الانهيار؟

تتصاعد وتيرة الضغوط الاقتصادية على المواطن اللبناني في ظل استمرار تجميد الودائع المصرفية، في وقتٍ ترتفع فيه تكاليف المعيشة اليومية ارتفاعاً حاداً، من تكاليف المحروقات إلى أسعار المواد الغذائية في المتاجر والسوبرماركت. وقد بات المواطن يعاني من ضغطين متزامنين: تجميد مدخراته من جهة، وتضاعف نفقاته اليومية من جهةٍ أخرى، في ظل أزمة اقتصادية لا تقتصر على لبنان وحده، بل تمتد لتشمل أسواقاً عالمية أوسع.

تكمن جذور الأزمة في سياسة نقدية خاطئة تعود إلى سنوات طويلة. فقد دأب مصرف لبنان على جذب الودائع بالعملة الأجنبية، مقابل ضخ الليرة اللبنانية في السوق عبر آليات التوازن النقدي، غير أن انهيار سعر الصرف كشف الخلل البنيوي في هذه المعادلة. فحين انهارت قيمة الليرة، عجز الجهاز المصرفي عن الوفاء بالتزاماته تجاه المودعين، وغدت الودائع محجوزةً دون أفقٍ واضح للحل.

يُضاف إلى ذلك أن الموازنات الحكومية المتعاقبة منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم تعاني في غالبيتها من عجز مزمن، مما يُضيِّق هامش المناورة أمام الدولة في أي برنامج للتعافي المالي. ويزيد الوضع تعقيداً في ظروف الحرب انكماشُ الإيرادات الضريبية، إذ يرتبط تحصيل الضرائب ارتباطاً مباشراً بمستوى الإنتاج والنشاط الاقتصادي، فيما يتراجع الاستهلاك وتُغلق المنشآت أبوابها، مما ينعكس سلباً على مجمل الموارد الحكومية. وتتحمل تلك الديون عبءً مضاعفاً لكونها مقومةً بالدولار الأمريكي، بينما تعتمد الدولة على الليرة اللبنانية أداةً رئيسيةً للإنفاق، مما يُعمِّق الهوة بين التزاماتها ومواردها.

يُطرح في هذا السياق إنشاء مجلس نقد كحل بنيوي جذري، إذ يُلزم مثل هذا المجلس الحكومةَ بامتلاك احتياطيات كاملة بالعملة الأجنبية مقابل أي إصدار نقدي، على غرار ما هو معمول به في بعض الدول. يُفضي ذلك عملياً إلى ربط الليرة بالدولار ربطاً تاماً، وجعلها مرآةً أمينةً له، بدلاً من الاحتياطي الجزئي القائم حالياً. كما يُقيِّد هذا النظام قدرة الحكومة على طباعة النقد وتمويل العجز بأدوات نقدية، ويُرغمها على البحث عن مصادر تمويل خارجية حقيقية إن أرادت الإنفاق. وتتمثل الميزة الجوهرية في أن التضخم الناجم عن هذا النظام لن يتجاوز مستويات التضخم الأمريكي، وهو أدنى بكثير مما عانى منه لبنان في مراحل الأزمة.

وفي السياق ذاته، تُطرح العملات المشفرة وعلى رأسها البيتكوين بديلاً محتملاً للسياسة النقدية، استناداً إلى تجربة السلفادور التي اعتمدت البيتكوين عملةً رسميةً لها. يتميز البيتكوين بسقف ثابت للكتلة النقدية لا يقبل الزيادة مهما تقلبت الظروف، مما يجعله وسيلةً لحفظ القيمة في مواجهة التضخم على المدى البعيد، رغم تقلباته على المدى القصير. وتُشير المعطيات إلى أن البيتكوين موجود فعلياً في لبنان، ويُستخدم في معاملات محدودة. وتكمن الفرصة في أن تسمح الدولة للمواطنين باستخدامه وسيلةً للدفع، بل وتبني احتياطيات منه بمرور الوقت، في خطوة من شأنها تنويع محفظة الاحتياطيات الوطنية وتعزيز مناعتها.

أما على الصعيد التجاري، فيواجه التجار معضلةً حقيقيةً في التسعير؛ إذ لا يملكون خياراً سوى تسعير بضائعهم وفق تكلفة إعادة التخزين المستقبلية لا الكلفة الحالية، في ضوء توقعاتهم للأسعار القادمة. وهذا ما يُفسر حالات الارتفاع المسبق للأسعار في ظروف عدم اليقين. وقد أثبتت تجارب تحديد الأسعار قسراً أنها تُفضي إلى اختفاء السلع من الأسواق لا إلى توافرها، وهو ما عاشه لبنان تجربةً مريرةً بعد عام 2020.

على الصعيد القانوني، يظل حق الملكية مكفولاً دستورياً، والإطار القانوني يدعم من حيث المبدأ حق المودع في استرداد أمواله. غير أن الواقع يكشف عن هوةٍ واسعة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي، تتقاطع فيها ملفات الفساد وإخفاقات الإدارة وتعقيدات الظرف الاستثنائي الراهن.

يتضح جلياً أن جوهر المشكلة اللبنانية نقدي بالدرجة الأولى لا مالي، وأن إصلاح قانون النقد والتسليف الذي يمنح مصرف لبنان صلاحيات مفرطة الاتساع هو المدخل الحقيقي لأي حل جذري ومستدام. وفي المحصلة، لا مسار نحو التعافي دون إصلاح السياسة النقدية الأساسية، وتقييد السلطة التقديرية للمصرف المركزي، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمنظومة المصرفية على أسس شفافة وراسخة.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على قناة الجديد