خلافاً لكل التوقعات، عادت احتياطيات مصرف لبنان من العملة الأجنبية للارتفاع خلال النصف الأول من نيسان الحالي. وأظهرت الميزانية نصف الشهرية للمركزي ارتفاع هذه الاحتياطيات بقيمة 143 مليون دولار، إلى 11 ملياراً و677 مليوناً.
وكانت احتياطيات العملة الصعبة قد تجاوزت 12 ملياراً و73 مليون دولار في منتصف شهر شباط، قبل أن تبدأ بالتراجع على أثر نشوب حرب إيران، وملاقاتها بحرب الإسناد من لبنان في بداية آذار. وتراجعت الاحتياطيات في غضون شهر ونصف الشهر بأكثر من نصف مليار دولار (539 مليون دولار على وجه الدقة)، لتنخفض في نهاية آذار إلى 11 ملياراً و534 مليون دولار.
أسباب تراجع الاحتياطيات
وبحسب التحليل، فإن التراجع باحتياطيات العملة الصعبة خلال الفترة الماضية يعود إلى جملة من الأسباب، أهمها:
زيادة الطلب على الدولار في السوق المحلية، سواء بشكل مباشر من خلال شراء الدولار للتحوط، أو غير مباشر نتيجة زيادة الطلب على السلع للتموّن، ما يزيد من الطلب التجاري على الدولار للاستيراد في نهاية المطاف. و”قد ظهر هذا الواقع بشكل جلي من خلال تراجع حجم الكتلة النقدية بالليرة في نهاية آذار”، بحسب رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق د. باتريك مارديني. فانخفض حجم الكتلة بالعملة الوطنية إلى 66 ألف مليار ليرة، بعدما كان قد وصل في نهاية شباط إلى 70 ألف مليار ليرة.
لكن ما يثير الاطمئنان نسبياً في زيادة الطلب على الدولار في السوق نتيجة الحرب، إظهار السياسة النقدية انضباطاً مالياً كبيراً لجهة عرض الليرات. إذ إنه، خلافاً لما قبل العام 2023، عندما كان المركزي ينافس الأفراد على شراء الدولار من خلال طباعة الليرات والتأثير سلباً على سعر الصرف، فإن السياسة النقدية المعتمدة حالياً مضبوطة إلى حد كبير. فهي لا تقوم على طباعة الليرات لشراء الدولارات. كما أن الطرق التقليدية التي تزيد الكتلة النقدية، كتخفيض أسعار الفائدة مثلاً أو شراء السندات، معطلة بسبب الأزمة المصرفية. وعليه، فإن تراجع الكتلة النقدية تأثر بالطلب وليس العرض، وهو ما يخفف الضغط على سعر الصرف بشكل كبير، ويمكّن من إعادة الأمور إلى نصابها السليم بشكل سريع بعد زوال الأسباب المؤثرة.
ومما قد يكون ساعد على تراجع الاحتياطيات هو انخفاض ودائع القطاع العام في نهاية آذار الماضي، حيث انخفضت هذه الودائع بنحو 75 مليون دولار. يضاف إلى ذلك استعمال جزء من هذه الاحتياطيات للمساهمة في تسديد أموال المودعين عبر التعميمين 158 و166، حيث يتحمل المركزي نصف قيمة ما يُسدَّد من أموال، وبمعدل شهري يبلغ نحو 200 مليون دولار (نحو 160 مليون دولار للتعميم 158، و44 مليوناً للتعميم 166). كما تُموَّل من هذه الاحتياطيات رواتب القطاع العام التي زادت 19 ضعفاً بالليرة بشكل أو بآخر.

وتظهر احتياطيات العملة الأجنبية تراجعاً، ولو طفيفاً، بالتوازي مع زيادة قيمة السحوبات من التعاميم. فتراجعت الاحتياطيات خلال شهر حزيران 2025 عندما رُفع سقف السحب من التعميم 166 إلى 400 دولار، وفي تشرين الثاني عندما أُضيف 100 دولار على التعميم ليصبح سقف السحب 500 دولار، ورُفع سقف السحوبات من التعميم 158 إلى 1000 دولار. إنما من الواضح أن المسار ظل تصاعدياً، مثلما يظهر في الرسم البياني رغم هذا الرفع”، بحسب مارديني، و”لم يتبدل إلا في شباط 2026، الأمر الذي يؤكد الضغط الذي سببته الحرب”.
مؤشر إيجابي
عودة احتياطيات العملة الأجنبية للارتفاع بقيمة 143 مليون دولار أتت في منتصف نيسان، رغم استمرار الكتلة النقدية بالليرة في الانخفاض، حيث وصلت إلى حدود 64 ألف مليار ليرة. لكن، في المقابل، فإن الأمر الإيجابي الثاني الذي ساعد على زيادة احتياطيات العملة الصعبة وخفف الضغط على سعر الصرف بشكل كبير هو تحقيق ودائع القطاع العام ارتفاعاً، معطوفاً على عودة احتياطي الذهب للارتفاع أيضاً. وإن كان العامل الثاني معنوياً في الوقت الحالي أكثر منه فعلياً، فإن ودائع القطاع العام في مصرف لبنان ارتفعت بقيمة 58 مليون دولار إلى 9 مليارات و273 مليون دولار. ورغم الارتفاع البسيط، إلا أنه دلالة على أن المالية العامة عادت إلى مسارها الصحيح، وهو مؤشر مهم للثقة الدولية وإمكانية تنفيذ الخطط الإصلاحية مستقبلاً، ولا سيما قانون الفجوة.
أهمية الاحتياطيات
التركيز على الاحتياطات بالعملة الأجنبية وقراءة متغيراتها يأتي من كون هذه الاحتياطيات تمثل عنصراً مهماً في الحفاظ على الاستقرارين النقدي والمالي. وعودة الاحتياطيات للارتفاع تعني تراجع الضغط على سعر الصرف، وإثباتاً لصحة سياسة التدخل في السوق بالتنسيق مع مجموعة من المصارف والصرافين، والمستمرة منذ منتصف العام 2023، حيث يقوم المركزي ببيع الليرات من أجل تسديد الشركات الضرائب بالليرة وتمويل عمليات الشراء المحلية، واستعمال الليرات كـ”فكة” على نطاق واسع، مقابل شراء الدولارات من السوق منعاً للمضاربة أولاً، وحفاظاً على الاستقرار النقدي ثانياً، وتحضيراً للسياسات المالية مستقبلاً، وفي مقدمتها إعادة أموال المودعين وتنفيذ قانون الفجوة المالية بعد إقراره.
ففي جهة الخصوم من ميزانية مصرف لبنان، يظهر أن المطالبات عليه من القطاع المصرفي تبلغ 81 ملياراً و669 مليون دولار لغاية منتصف نيسان، وإذا اعتبرنا أن مجمل احتياطيات النقد الصعب تبلغ 11 ملياراً و677 مليون دولار، فإن حجم الفجوة المالية يكون قد ازداد إلى حدود 70 مليار دولار.
الذهب يرتفع
وكان من اللافت أيضاً عودة احتياطي الذهب للارتفاع إلى حدود 44 ملياراً و396 مليون دولار، بعد انخفاض كبير خلال الشهر الماضي، وذلك بالتوازي مع صعود أونصة الذهب من حدود 4500 في آذار إلى حدود 4800 خلال النصف الأول من شهر نيسان. ومن المعروف أن مصرف لبنان يمتلك نحو 286 طناً من احتياطي الذهب، أو ما يعادل 9 ملايين و221 ألف أونصة، ثلثاها موجود في لبنان، والثلث الآخر في الولايات المتحدة الأميركية في خزنة قلعة فورت نوكس.
