تشهد البنية التحتية لقطاع الاتصالات في لبنان تدهوراً متسارعاً، إذ تتكرر الأعطال في مناطق عدة تشمل بيروت والشمال والشوف وسائر المحافظات. وتعود هذه الاضطرابات بصورة رئيسية إلى توقف مولدات الكهرباء الخاصة بأوجيرو عن العمل، مما يؤدي إلى تعطل السنترالات وانقطاع الخدمة عن شريحة واسعة من المشتركين. وتتجلى الأسباب الهيكلية لهذه الأزمة في أن سنترالات أوجيرو باتت تعتمد اعتماداً شبه كلي على مولداتها الخاصة نظراً لعدم انتظام التيار الكهربائي الذي لا يتجاوز ساعتين إلى أربع ساعات يومياً، في حين أن هذه المولدات قديمة ومستهلكة وتتحمل أحمالاً ثقيلة تفوق طاقتها.
تبرز على صعيد السياسات القطاعية إشكالية جوهرية تتعلق بآلية إدارة شركتي الاتصالات الخلوية “ألفا” و”تاتش”، إذ أعلنت الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات عن تأجيل المزايدة المتعلقة بتلزيم هاتين الشركتين. ويُعزى هذا التأجيل إلى الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان منذ أحداث الثاني من آذار والتطورات الأمنية التي أعادت خلط الأوراق على مختلف الأصعدة.
يرى المتخصصون في هذا الملف أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في التلزيم من عدمه بقدر ما تكمن في العقلية الإدارية المتبعة في تشغيل القطاع، والتي لا تزال تنتمي إلى نماذج القرن الماضي. ويتضح ذلك في استمرار اعتماد نموذج تُدفع فيه الأموال العامة لشركات خاصة مقابل تشغيل القطاع، في حين أن النموذج الحديث يقتضي منح امتيازات للشركات مقابل استثماراتها في البنية التحتية، بحيث تتحمل الشركات المستثمرة كلفة التشغيل والاستثمار الرأسمالي على حد سواء، وتُسهم في تحقيق عائدات مالية للخزينة العامة مع توفير بيئة تنافسية حقيقية بين المشغلين.
تُشكّل كلفة الاتصالات عبئاً ثقيلاً على كاهل المواطن اللبناني، إذ يُنفق الأسرة اللبنانية ما يزيد على مئة وأربعة عشر دولاراً شهرياً على خدمات الاتصالات المنزلية والخلوية مجتمعة. ويرتبط هذا الواقع بسياسات ضريبية بنيوية جعلت من قطاع الاتصالات رافداً أساسياً لإيرادات الدولة، مما حوّله إلى أداة لتحصيل الضرائب غير المباشرة بدلاً من أن يكون قطاعاً يُحفّز النمو الاقتصادي ويخدم التنمية.
يستوجب المشهد الراهن الإسراع في تبني نماذج تشغيل عصرية تضمن استقطاب الاستثمارات اللازمة لتطوير شبكات الجيل الخامس، التي تستلزم وحدها استثمارات تُقدَّر بمئتي مليون دولار وتحتاج إلى سنوات عدة لاستكمال تنفيذها. واستمرار الوضع الراهن لن يُفضي إلا إلى مزيد من التراجع في جودة الخدمات وتعميق الفجوة الرقمية التي تفصل لبنان عن دول المنطقة والعالم.