تُنذر مختلف المؤشرات بوجود اختلالات عميقة في البنيتين الاقتصادية والاجتماعية في لبنان. ويكفي إزالة طبقة رماد التطبيع الرقيقة مع الانهيار، لتتبين كثافة الجمر الملتهب على كافة المستويات. فَتَحتَ مظاهرِ ارتيادِ المطاعمِ والمقاهي، والتسوقِ من المجمعاتِ التجارية، وقيادةِ آليات الدفعِ الرباعي والسياراتِ الرياضية، تكمن نارُ الفقر و الجوع. وقد أتت حروبُ الإسناد، من غزة في العام 2024 إلى إيران حاليًا، لتنفخَ على هذا الجمر وتوقدَه، بما يهدد بحريقٍ قد تصعب السيطرةُ عليه.
لم يكد الاقتصاد اللبناني يلتقط أنفاسه في العام 2025، عقب جولة عنيفة من الصراع بين حزب الله وإسرائيل، حتى عاد مشهد الحرب ليتكرر في آذار 2026. ومع انتهاء الجولة الأخيرة، التي استمرت 45 يومًا (من 2 آذار إلى 16 نيسان)، دخل لبنان في هدنة مؤقتة مع تمديد لوقف إطلاق النار. غير أن عدّاد الدمار والضحايا والفقر لم يتوقف، بما لا يعكس هشاشة الهدنة فحسب، بل يشير أيضًا إلى استمرار المراوحة في حالة اللايقين الضاغطة على الاقتصاد، والدافعة بالمؤشرات الاجتماعية نحو مرحلة بالغة الصعوبة.
انعدام الأمن الغذائي
“الوضع الإنساني لا يزال هشًا للغاية”، بحسب “منظمة العمل ضد الجوع”، إذ إن وقف الأعمال العدائية في بيروت وجبل لبنان والبقاع الشمالي لم يُخفف من معاناة الفئات الأكثر ضعفًا. فهم ما زالوا يواجهون النزوح والدمار الهائل وانعدام الخدمات الأساسية. ولا يزال 24% من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي، فيما يعتمد 15% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهرًا في مناطق النزوح على الحليب فقط، مما يشكل خطرًا غذائيًا جسيمًا.
وقف إطلاق النار المؤقت لم يُنهِ حالة الطوارئ، إذ بقي أكثر من مليون شخص، بينهم 390 ألف طفل، نازحين. يعجز أغلبهم عن “العودة إلى منازلهم، لوقوعها في مناطق مصنفة عالية الخطورة، حيث لا تزال الاشتباكات مستمرة”، تقول منسقة المناصرة في منظمة العمل ضد الجوع في لبنان، سونيا بن سالم. “فمستوى الدمار في بعض المناطق يُضاهي ما حدث في غزة: قرى بأكملها سُوّيت بالأرض، بلا ماء ولا مستشفيات ولا سبل عيش”.
التدمير مستمر
في الأيام الثلاثة الأولى من وقف إطلاق النار في لبنان، دمّرت إسرائيل 428 وحدة سكنية في القرى الحدودية التي ما زالت تحتلها. ويرتفع هذا العدد باضطراد، من دون التمكن من إحصاء عدد الوحدات المدمرة بدقة نتيجة الاحتلال، إذ تتعمد إسرائيل تفجير قرى وأحياء بكاملها، ولا سيما في أقضية مرجعيون وبنت جبيل، حيث دُمّر الجزء الأكبر في الناقورة وشمع والخيام وعيتا الشعب، وغيرها، إذ تسعى إسرائيل إلى خلق منطقة عازلة على الحدود، غير صالحة للسكن.
وكان عدد الوحدات السكنية التي دمّرتها إسرائيل كليًا وجزئيًا في جميع المناطق اللبنانية، قبل وقف إطلاق النار، أي بين 2 آذار و16 نيسان، قد ارتفع إلى 50,424 وحدة.
الاحتياجات لا تتراجع
على صعيد الاحتياجات، فهي كانت موجودة قبل وقف إطلاق النار، ولا تزال كما هي الآن. فحتى قبل تصاعد الأزمة في آذار، كان الوضع خطيرًا بالفعل: فبين تشرين الثاني 2025 وآذار 2026، كان ما يُقدّر بنحو 874 ألف شخص في لبنان يعيشون في ظروف أزمة أو حالة طوارئ من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة أو أعلى من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي)، من بينهم 22 ألفًا يعيشون في ظروف طوارئ (المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي).
ورغم انخفاض التضخم السنوي إلى 14.8% في عام 2025، فإن ذلك لم يُصاحبه أي زيادة حقيقية في الدخل، إذ إن القدرة الشرائية للأسر، ولا سيما بين النازحين، لا تزال مُنهكة بشدة.
اليوم، ومع عودة النزوح، وارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 17%، وتراجع التحويلات من المغتربين بما لا يقل عن 3%، وارتفاع مستويات البطالة نتيجة إقفال المؤسسات أو تقليص حجمها، فإن الوضع أصبح أسوأ بما لا يُقاس. ويكفي أنه، من بين 5 ملايين و800 ألف مقيم في لبنان، هناك نحو 500 ألف شخص يعانون من الجوع، لندرك حدة الأزمة التي يمر بها البلد.
الظروف تتغير، لكن الاحتياجات تبقى قائمة. و”وقف إطلاق النار لا يعيد بناء المنازل، ولا يضمن توفير الغذاء، ولا يُعيد الخدمات الأساسية”، تقول بن سالم. و”الهشاشة لا تزول بين عشية وضحاها، وستستمر الاحتياجات لفترة طويلة ما لم تتم إعادة الإعمار واستعادة الخدمات العامة”.
