أعادت حرب إيران وما رافقها من اختلالات اقتصادية ومالية تسليط الضوء على “خط مبادلة العملات – سواب “، Currency Swap Line، ولكن هذه المرة من بوابة دولة الإمارات. وقد طرح الفكرة محافظ مصرف الإمارات المركزي خالد محمد بالعمي مع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ومسؤولين من الوزارة والمركزي الأمريكي، على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن. وما لبث الاقتراح أن تحوّل إلى محادثات جدية ما زالت قيد الدرس، لتوفير تمويل بقيمة تتراوح بين 20 و30 مليار دولار بالعملة الصعبة.
يمثل “خط مبادلة العملات” أداة تمويلية قديمة العهد نسبيًا. يعود تاريخها إلى ستينات القرن الماضي، عندما نفّذ الفيدرالي الأميركي “سواب” مع مصارف مركزية أوروبية لتوفير النقد الصعب، ضمن جهود دعم استقرار نظام “بريتون وودز”. لكن استخدامه ظل في العتمة لعقود، ولم يخرج إلى دائرة الضوء إلا عقب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ليعود ويظهر راهنًا مع الطلب الإماراتي في ظل الحرب على إيران. وتقوم هذه الآلية على فكرة بسيطة جدًا، وهي تبادل العملات، بحيث توفر الدولة المقرضة كمية من عملتها توازي ما تحصل عليه الدولة الطالبة، مقابل اتفاق على إعادة المبلغ واستعادة الأموال في مهلة زمنية محددة، عادة ما تكون قصيرة.
متانة الاقتصاد الإماراتي
من البديهي القول إن نجاح هذه الآلية يفترض تمتع الدولة الطالبة باستقرار مالي ونقدي، كفيلين بحماية سعر الصرف والحؤول دون تعرضه لأي انخفاض حاد. ذلك أن أي تدهور كبير في قيمة العملة الوطنية قد يضعف القدرة على السداد أو يزيد كلفة إعادة شراء العملة الأجنبية عند التسوية، ما يرفع المخاطر المالية المرتبطة بالاتفاق. وينطبق ذلك بشكل واضح على دولة الإمارات، التي تمتلك احتياطيات أجنبية تُقدَّر بنحو تريليون درهم (ما يعادل قرابة 270 مليار دولار)، مع نسبة تغطية للقاعدة النقدية تقارب 119%، ما يعني أن كل درهم مغطى بأصول تتجاوز قيمته بنحو 19%. ويضع هذا الإطار النقدي الدولة ضمن نموذج ربط ثابت قوي بالدولار، قريب من فكرة مجلس النقد، يوفر درجة عالية من الاستقرار النقدي وسعر الصرف. ويضاف إلى ذلك قوة القطاع المصرفي، الذي تُقدَّر أصوله بنحو 5,400 مليار درهم (نحو 1.5 تريليون دولار)، مع مستويات سيولة مرتفعة تدعم قدرة النظام المالي على امتصاص الصدمات وتوفير تدفق نقدي مستدام.
لماذا “السواب”؟
إزاء هذا الواقع المتين نقديًا واقتصاديًا، يبرز سؤال حول حاجة الإمارات إلى تمويل سريع بقيمة 30 مليار دولار. والجواب متشعّب، لكنه يرتبط بشكل أساسي بتوفير سيولة نقدية سريعة ومنخفضة الكلفة، تساعد على تنفيذ الاستراتيجية التي أعلن عنها المصرف المركزي الإماراتي. وتقوم هذه السياسة على إبقاء البنوك قادرة على الإقراض ودعم الاقتصاد، بدل الانكماش في أوقات الأزمات، وذلك من خلال تخفيف متطلبات السيولة ورأس المال، ومنح مرونة أكبر في الإقراض.
الإنسحاب من “أوبك”
السؤال، على أهميته، ليس “بيت القصيد”. فما يكمن خلف هذا “العجز” الظاهري هو مستقبل العلاقات العربية في ما بينها، وبين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم اليوم، وهما الولايات المتحدة والصين. فـ”الإمارات صرّحت بأنه، في حال عدم موافقة الولايات المتحدة على خط مبادلة العملات المطلوب، قد تضطر إلى بيع نفطها باليوان الصيني لتحقيق هذا السواب مع الأخيرة”، يقول المستشار المالي د. غسان شماس. وعلى الرغم من العلاقة الاقتصادية والسياسية الوثيقة التي تجمع الإمارات مع الولايات المتحدة الأميركية، فإن “هذا الطرح يشكّل إشارة للأسواق إلى وجود بدائل محتملة، وإمكانية اللجوء إلى أساليب أخرى”، يضيف شماس.
هاتان الخطوتان ترافقتا، خلال الأيام الماضية، مع إعلان الإمارات انسحابها من منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، وهو ما يتقاطع مع مطالب الولايات المتحدة التاريخية بالحد من تأثير المنظمة على مستويات الإنتاج وأسعار النفط عالميًا. وقد عزّز ذلك، بحسب المستشار المالي د. غسان شماس، “فرضية تعمّق الشراكة الإماراتية–الأميركية، في مقابل دول خليجية أخرى متمسكة بالبقاء ضمن أوبك”. ومن شأن هذا التوجه، في حال تحققه، أن يتيح للإمارات زيادة إنتاجها النفطي من نحو 2.5–3 ملايين برميل يوميًا إلى ما يقارب 5 ملايين خلال السنوات المقبلة، من دون التقيد بسقوف الإنتاج التي تفرضها أوبك. كما يشكّل إشارة إلى متانة العلاقة الاستراتيجية بين أبوظبي وواشنطن. فهل تترجم أميركا هذه الإشارات عبر الموافقة على خط مبادلة العملات، بما يعزز الشراكة الثنائية ويدعم سيولة الاقتصاد الإماراتي؟
نظام بديل عن “البترودولار”
تشير التحليلات إلى أن احتمال الموافقة على هذا السواب مع الإمارات العربية المتحدة مرتفع، وربما مع دول أخرى أيضًا، ليس فقط بسبب العلاقات التاريخية، بل انطلاقًا من مصلحة الولايات المتحدة في ترسيخ نمط جديد من العلاقات المالية، في مواجهة تراجع هيمنة نظام “البترودولار” أمام صعود ما يُعرف بـ”البترويوان”. فمع تزايد توجه بعض الدول لبيع النفط باليوان، ومحاولات مجموعة بريكس تعزيز الاستقلالية عن الدولار، وهي الهيمنة التي كرّسها نظام البترودولار منذ سبعينيات القرن الماضي، والذي يقوم على تسعير النفط عالميًا بالدولار، تبرز حاجة واشنطن إلى أدوات تعزز موقع عملتها.
وفي هذه الحالة، قد تحقق الولايات المتحدة عدة أهداف من خلال تفعيل خطوط مبادلة العملات، أبرزها:
- دعم استمرار هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي، عبر تعزيز حضوره كعملة تمويل وسيولة دولية.
- توفير أداة فعّالة لإدارة السيولة العالمية، مع تحقيق عوائد محدودة من خلال فروقات أسعار الصرف.
- التكيّف مع التحولات في أسواق الطاقة، في ظل تراجع نسبي لدور نظام “البترودولار”، دون أن يعني ذلك استبداله بالكامل.
يوماً بعد يوم، تكشف الحرب على إيران عن تحوّلات عميقة في الاقتصاد العالمي، ومن المؤكد أنها لن تنتهي كما بدأت، على صعيد العديد من الملفات، من بينها أسعار النفط، وأسواق العملات، والعلاقات بين الدول.
