أن يتغير سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار بعد عام أو عامين، أو حتى بعد جيل، ليس في الأمر شيئًا جديدًا، ولا يُعدّ سبقًا صحفيًا (scoop)، كما تقول لغة الإعلام التنافسية. فعلى حدّ قول الباحثة في الاقتصاد النقدي، د. ليال منصور: «من الصعوبة بمكان إعادة تثبيت العملة بعد انتفاضتها بقوة، وكأنها تعرضت لصدمة كهربائية». والتثبيت إن حصل، فيكون «الاستثناء، لفترة زمنية محددة، وليس القاعدة التي تثبت التجارب صعوبة نجاحها على المدى الطويل».
لكن من الآن إلى وقتها، فإن المستجدّ أمران:
- الافتراض بعدم حتمية تدهور سعر الصرف، فيما لو تم تحريره.
- وأن العناصر المالية والنقدية التي تضافرت، عن قصد أو بالصدفة، تضمن استمرار استقرار الليرة من دون كلفة على الخزينة، إلى حين اتخاذ قرارٍ واعٍ، عن سابق إصرار وتصميم، بتغيير هذه المعادلة، لا تركها لغدرات السوق السوداء.
التثبيت ليس خطأ!
تثبيت سعر الصرف على 1500 ليرة مقابل الدولار منذ العام 1998، خلافًا للتوصيات المبكرة لصندوق النقد الدولي قبل مؤتمرات دعم لبنان في باريس أوائل الألفية، والاستماتة في الدفاع عنه عبر الهندسات المالية في زمن الاختلالات السياسية بعد العام 2015، لم يكن صحيحًا. إنما في المقابل، فإن ثبات سعر الصرف على 89500 ليرة، مدعومًا بأدوات إدارة السيولة النقدية، والتدخل الموزون في السوق، ليس خطأ، إذ «لا يوجد سعر صرف واحد صحيح لكل البلدان ولكل الأزمنة»، تقول منصور. وسياسة سعر الصرف المناسبة ليست التثبيت الكامل أو المرن أو التعويم، إنما السياسة التي تتناسب مع الظروف الاقتصادية لكل دولة المتعلقة بالنمو والتضخم والميزان التجاري، والظروف السياسية والأمنية التي تمر بها. وعليه، لا توجد وصفة ثابتة لسعر الصرف المناسب، إنما قرار سياقي وليس قاعدة عامة ثابتة. فالدولة التي تعتمد سعر الصرف المرن هي دول قوية وشفافة وعملتها مطلوبة للتجارة الدولية، وذلك خلافًا للدولة التي تعتمد سعر الصرف الثابت، بغض النظر عن ثرواتها، والتي تخشى الضغط على سعر الصرف عند أي مفترق، أو حتى أحيانًا كثيرة إشاعة.
لماذا الليرة ثابتة؟
هذا من حيث الشكل العام، أما في المضمون فإن فقدان العملة الوطنية اللبنانية لوظائفها الأساسية كأداة للتبادل والادخار ومخزن للقيمة، وتراجع حصتها في الاقتصاد إلى أقل من 3%، يعطل تلقائيًا آلية السوق القائمة على العرض والطلب. فـ«لا طلب على الليرة»، تقول منصور، و«باستثناء رواتب موظفي القطاع العام، فإن كل شيء قائم على الدولار في القطاع الخاص من عمليات البيع والدفع، وأن تغير سعر الصرف سيؤثر على شريحة من اللبنانيين اجتماعيًا، ولكن لن يكون له أي تأثير يُذكر على الاقتصاد برمته».
وفي ظل اعتماد سياسة كبح الإنفاق، وتعزيز الإيرادات العامة، وعودة ارتفاع حساب الخزينة العامة في مصرف لبنان بقيمة تجاوزت 70 مليون دولار لغاية منتصف الشهر الماضي، وفرملة زيادة الرواتب، والالتزام بتأمين إيراد جديد لكل نفقة، فإنه لا خوف من عجز الدولة عن تأمين رواتب موظفيها وتحويلها إلى الدولار عند السداد، وبمقدار يصل إلى حدود 250 مليون دولار شهريًا.
الثبات الحاصل في الليرة، والذي لا يثقل كاهل الخزينة، يعود بحسب منصور إلى اعتماد مصرف لبنان منذ أواسط العام 2023 سياسة شبيهة بمجلس النقد، بحيث توقف عن طباعة الليرات لتمويل عجز الدولة وزيادة نفقاتها وإعطاء السلف بالدولار.
الكفاءة في إدارة السيولة
هذا من جهة، أما من الجهة الثانية، فقد اعتمدت سياسة تنسيقية بين وزارة المالية ومصرف لبنان تقوم باختصار على بيع المالية الليرات التي تجمعها من الرسوم والضرائب للصرافين والمصارف وشراء فائض الدولارات. إلا أن هذه العملية، على أهميتها، لم تكن لتنجح لولا حصرها على الأرض بجهة واحدة موثوقة، عوضًا عن تلزيمها لمجموعة من شركات تحويل الأموال والصرافين بعمولات كبيرة كما جرى بين العامين 2020 و2022، تنافسوا مع بعضهم على شراء الدولار مما ارتدّ سلبًا على سعر الصرف. والآلية الجديدة شبكت مع مجموعة من المصارف والصرافين واستطاعت ضبط السوق من دون تحميل الدولة أو الاقتصاد أي كلفة، ووفقًا لأعلى معايير مكافحة تبييض الأموال. ولا نذيع سرًا أو خبرًا غير معروف في هذا السياق، فوزير المالية ياسين جابر عبّر صراحة في أكثر من مناسبة وحديث صحفي عن هذه الآلية، إنما تذكير فقط بالآليات والأسباب التي تحمي السوق من الفوضى. وقد استطاعت هذه الآلية ضبط السوق ومنع الاتجار بالعملة والمضاربة عليها، وحدّت من تبييض الأموال، وساهمت بتأمين الاستقرار الاجتماعي الناجم عن استقرار سعر الصرف، ولا سيما لجهة الموظفين في القطاع العام.
إلى متى تدوم هذه السياسة؟
ستدوم إلى حين انتهاء الظروف التي يمر بها لبنان، قالها بشكل صريح مصرف لبنان ردًا على الإشاعات بتدهور سعر الصرف، حيث أكد المركزي في بيان أنه «ملزم وملتزم أجندة واحدة وهي صون الاستقرار النقدي، وقد دأب على العمل بشكل مثابر مع مختلف الوزارات المعنية، ولا سيما وزارة المالية، ومع كافة الجهات الفاعلة في القطاع المالي، لتأمين تدفق مستمر للعملات الصعبة إلى البلاد، والحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية، وذلك ضمن القواعد والأطر التي لا تمسّ بالسياسة المنضبطة التي يعتمدها المصرف في حماية الأموال المخصصة للمودعين وتلك العائدة للدولة، بما يضمن الحفاظ على توازن سليم بينهما».
مستقبل سعر الصرف
عودًا على بدء، «ثبات سعر الصرف لا يدوم طيلة العمر»، تعيد وتكرر منصور، «ويجب استغلال فترة الثبات لتقوية الاقتصاد لجهة تحسين القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وتقوية الديمقراطية والشفافية والمحاسبة والقضاء، لأن هذا التثبيت، بغض النظر عن طرقه، يبقى اصطناعيًا من وجهة نظر منصور، و«في حال تقوية الاقتصاد والبنيتين التحتية والفوقية في المجتمع، فإن تحرير سعر الصرف مستقبلًا لن يؤذي الاقتصاد».
إذا، إن لم تتحرر الليرة اليوم، ستتحرر غدًا، ولا سيما إذا ما دخلنا في اتفاق مع صندوق النقد الدولي، حيث يُعد تحرير سعر الصرف أولى متطلباته، وهذا ما رأيناه في التجربة المصرية. ولكن، فإن تقوية الاقتصاد وتحقيق الإصلاحات وفك احتكار القطاع العام كلها عوامل كفيلة بحماية سعر الصرف في المستقبل إذا ما حصلت بهذه الطريقة.
فمصر مثلًا، ورغم كل الأزمات التي مرت بها بعد تراجع تحويلات المغتربين، وتراجع الإيرادات من السياحة وقناة السويس وحتى الصادرات، فإن الجنيه تراجع، إنما بمستويات مقبولة جدًا مقارنة مع عدم قيام الدول بإصلاحات، ويعود جزء من هذا الانخفاض إلى المضاربة وليس إلى عوامل اقتصادية، حيث كانت وزارة الداخلية قد أكدت «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (نحو 490 ألف دولار)».
مجلس النقد والليرة
يبقى مجلس النقد خير خيار، فيما لو تحققت الإصلاحات أو لم تتحقق؛ بحسب العديد من الخبراء، ففي الحالة الأولى يضمن اعتماد مجلس نقد عدم طباعة ليرات إلا بقدر ما يدخل من دولارات، وهو ما يوجب الإصلاح بطريقة قوية ولا سيما في القطاع العام، وتخفيض أعداد الموظفين والنفقات والتخلص من المشكلة النقدية. وفيما لو تحققت الإصلاحات، فإن خيار مجلس النقد يبقى خيارًا موفقًا في حالات الاختلالات السياسية التي يمر بها البلدان وعدم الاستقرار ومرحلة النهوض والتعافي، إذ يضمن عدم تدهور العملة الوطنية والتأثير سلبا على الوضع الاجتماعي.
في جميع الحالات، ضمان استقرار الليرة سيبقى مضمونا على المدى القريب بفضل السياسة النقدية والمالية والتنفيذية على الأرض، وعلى المدى البعيد فإن تنفيذ الإصلاحات أو اعتماد مجلس النقد سيحفظانها من الانهيار. وفي الحالتين، الليرة مستقرة لفترة أطول مما قد ينتظر البعض، وهذا شيء إيجابي للاقتصاد في جميع الحالات.
