ميزان المدفوعات يرتفع باضطراد مطلع العام… فماذا بعد آذار؟

ميزان المدفوعات

ظلت مختلف المؤشرات الماكرو-اقتصادية المحلية ترتفع باضطراد حتى عشية الحرب الإيرانية في 28 شباط الماضي. ومن بين هذه المؤشرات، برز ميزان المدفوعات، الذي حقق فائضًا تراكميًا كبيرًا فاق 7 مليارات و700 مليون خلال الشهرين الأولين من هذا العام، بزيادة قاربت 60% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

تكمن أهمية ميزان المدفوعات لكونه سجلًا محاسبيًا شاملًا يوثّق جميع المعاملات الاقتصادية والمالية بين المقيمين والخارج خلال عام. وبعبارة مبسطة، يقارن هذا الميزان بين التدفقات النقدية الداخلة والخارجة بالعملة الصعبة. وكلما كانت التدفقات الداخلة أكبر من الخارجة، كان الميزان إيجابيًا، وانعكس ذلك بصورة حميدة على العديد من المؤشرات، وفي مقدمتها: سعر الصرف، واحتياطيات النقد الأجنبي، والقدرة على تمويل الواردات، والتضخم، والاستثمارات المباشرة. أما في حال العجز، فيؤدي ذلك إلى اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد، ويعزز مظاهر الانهيار واللامساواة.

تعويض العجز التجاري

بالنسبة للبنان، فإن تحقيق فائض في ميزان المدفوعات ليس تفصيلًا عابرًا، بل موضوعًا يستحق التوقف عنده مليًا؛ ليس فقط بسبب ما يواجهه من شتى أنواع المصاعب الاقتصادية الناجمة عن الاختلالات السياسية والأمنية، بل أيضًا نظرًا للعجز الكبير في الميزان التجاري. فهذا الأخير، الذي يشكّل أحد المكونات الرئيسية التي يقوم عليها ميزان المدفوعات، يسجل تدهورًا حادًا. وقد حقق عجزًا تراكميًا تجاوزت نسبته 50% خلال الشهرين الأولين من العام الحالي، ليصل إلى نحو 3 مليارات و330 مليون دولار مع نهاية شهر شباط.

في مقابل العجز الكبير في الميزان التجاري، الذي يقود إلى تدهور الحساب الجاري، فإن المكوّنين الآخرين لميزان المدفوعات، والمتمثلين في الحساب المالي وحساب رأس المال، قد شهدا تحسنًا ملحوظًا. فقد سجّل الحساب المالي، الذي يتضمن صافي الاحتياطيات من الذهب والعملات الأجنبية، قفزات كمية ونوعية، في ظل ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، من متوسط 2800 دولار خلال الشهرين الأولين من عام 2025 إلى نحو 5200 دولار في الفترة نفسها من العام الحالي، مما أسهم في رفع احتياطيات مصرف لبنان من الذهب إلى حدود 47 مليارًا و749 مليون دولار.

كذلك، ارتفعت احتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية خلال الفترة نفسها لتبلغ قرابة 12 مليار دولار، مدفوعة بالسياساتين المالية والنقدية اللّتين انتهجتهما وزارة المالية ومصرف لبنان، بالتوازي مع زيادة ودائع القطاع العام لدى المصرف المركزي إلى نحو 9.2 مليار دولار.

صافي الأصول الأجنبية

ويشير تحليل مالي لـ بلوم انفست إلى ارتفع صافي الأصول الأجنبية التراكمي لمصرف لبنان على أساس شهري خلال شباط، بمقدار 1,817.9 مليون دولار، بينما زاد صافي الأصول الأجنبية للبنوك التجارية بمقدار 142.9 مليون دولار في شباط 2026. أما منذ بداية العام فيتبين ان صافي الأصول الأجنبية التراكمي لمصرف لبنان ارتفع بمقدار 7,360.1 مليون دولار، بينما زاد صافي الأصول الأجنبية التراكمي للبنوك التجارية بمقدار 345.6 مليون دولار بحلول شباط 2026.

ولتحليل أكثر دقة، قام بلوم انفست بدراسة صافي الأصول الأجنبية للبنوك التجارية لشهر شباط 2026. فعلى صعيد المطلوبات، ارتفعت “المطلوبات على القطاع المالي لغير المقيمين” بمقدار 29,743 مليون دولار لتصل إلى 2.29 مليار دولار؛ بالإضافة إلى ذلك، انخفضت “ودائع العملاء غير المقيمين” بمقدار 35.76 مليون دولار لتصل إلى 21.35 مليار دولار.

 وفي الوقت نفسه، على صعيد الأصول، ارتفعت “المطالبات على القطاع المالي لغير المقيمين” بمقدار 136.2 مليون دولار لتصل إلى 5.47 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

وبالمثل، ارتفعت “الأصول الأجنبية الأخرى” بمقدار 1.76 مليون دولار لتصل إلى 2.83 مليار دولار، بينما ارتفعت “محفظة الأوراق المالية لغير المقيمين” بمقدار 18.2 مليون دولار لتصل إلى 1.42 مليار دولار.

تحويلات المغتربين

وفي ما يتعلق بحساب رأس المال، الذي يسجل التحويلات الرأسمالية، ومن ضمنها تحويلات المغتربين، فقد كان يسجل معدلات كبيرة قبل اندلاع الحرب الإيرانية، ويُقدَّر أنه بلغ، بحسب الأرقام الرسمية، نحو 1.2 مليار دولار. إلا أن هذه التحويلات بدأت بالتراجع بعد الحرب، نتيجة الأوضاع الاقتصادية في الدول التي تشكّل الثقل الأساسي لوجود المغتربين اللبنانيين.

وعليه، يمكن الاستنتاج أن الفائض في الحسابين المالي والرأسمالي عوّض التدهور الكبير في الحساب الجاري، ودفع ميزان المدفوعات إلى تحقيق فائضٍ كبيرٍ ساهم في دعم الاستقرار خلال الشهرين الأولين من العام. إلا أنه يُتوقّع أن يعود هذا الفائض إلى التدهور بعد شهر آذار، نظرًا لدخول لبنان في الحرب وما سبّبته من ضغوط تضخمية واقتصادية وتراجع كبير بأسعار الذهب.