شهر حاسم اقتصاديًا في ظل تدهور المؤشرات وتفاقم الأزمات

المؤشرات

التوافق على سوء الوضع الاقتصادي في لبنان وتدهور مختلف المؤشرات شهرًا بعد آخر لا يعطي المشهد حقَّه كما تفعل الأرقام. فـ«الحكي مش مثل الشوفة»، كما يقول المثل الشعبي، للدلالة على أن الوصف لا يعبّر عن الحقيقة التي يمكن لمسها بالحواس. وممّا تظهره الأرقام، بالدليل القاطع، استمرار تراجع مؤشر مديري المشتريات (PMI) للشهر الثاني على التوالي منذ تجدّد الحرب في بداية آذار.

سالبًا تحت عتبة الـ50 نقطة، مسجلًا في نيسان الماضي 48.2 نقطة، وذلك بعد انخفاضه في شهر آذار إلى 47.4 نقطة. وقد أعاد فريق الأبحاث هذا التراجع إلى جملة من الأسباب، في طليعتها انخفاض الطلبات الجديدة من الخارج بسبب الحرب الإقليمية والمحلية، حيث تراجعت طلبات التصدير بأسرع وتيرة لها في ست سنوات خلال نيسان 2026.

أهمية المؤشر

يعتبر “مؤشر مديري المشتريات”، واحداً من أهم المقاييس الاقتصادية التي تستخدم لقياس أداء قطاعات التصنيع والخدمات. وهو يقوم على تجميع “بلوم” الإجابات على الاستبيانات التي يتم إرسالها شهرياً إلى المسؤولين التنفيذين في أكثر من 400 شركة في القطاع الخاص. وتضم الاستبيانات أسئلة عن 5 أمور أساسية في الشركة، بوزن معين لكل واحدة منها، وهي: الطلبات الجديدة (30%)، وحجم الانتاج (25%)، والتوظيف (20%)، ومواعيد تسليم الموردين (15%)، ومخزون السلع المشتراة (10%). ويقاس المؤشر بمقياس من 0 إلى 100. فإذا كان أقل من 50 نقطة، يكون هناك انكماشاً اقتصادياً. وأكثر من 50 نقطة يعني تحقيق الاقتصاد نمواً. اما الثبات عند رقم 50 فهو يعني أن النشاط الاقتصادي لم يتغير عن الشهر السابق.

اجتماع العوامل المؤثرة

وممّا يتبيّن أن البنود الخمسة التي يتكوّن منها المؤشر تُظهر تراجعًا لافتًا، بضغط من استمرار التصعيد العسكري بين حزب الله وإسرائيل، بشكل خاص، والحرب مع إيران بشكل عام. وقد يكون هذا الأمر مفهومًا في ظل «مواجهة لبنان مجموعة من العوامل السلبية التي قلّما تجتمع في الوقت نفسه»، بحسب نائب رئيس جمعية الصناعيين بول أبي نصر، وهي:

  • الحرب بين إسرائيل وحزب الله التي تحمل نتائج كارثية على الاقتصاد، لجهة الأكلاف المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن الدمار في الممتلكات الخاصة والعامة، والنزوح، وتعطّل القطاعات الإنتاجية والخدماتية بشكل متباين.
  • الارتفاع الكبير بتكاليف الإنتاج نتيجة ازدياد أسعار المحروقات التي تضاعفت في غضون أيام قليلة، ونتيجة التضخم العالمي.
  • تعثّر التصدير بشكل كبير بسبب العراقيل التي تواجه سلاسل التوريد والإمداد، والأمر لم يقتصر على التصدير إلى الدول العربية بل إلى الدول الأوروبية أيضًا، ذلك أن الملاحة البحرية بمثابة جسم واحد؛ أي تضييق في مكان يؤثر على بقية الأماكن. وتتمثل هذه العراقيل في تأخّر وصول الشحنات، وتغيير جداول السفن، وتخزين المستوعبات في أماكن عشوائية بعيدة عن وجهة التصدير الأساسية.
  • ارتفاع كلفة التصدير إلى الدول العربية بشكل «جنوني»، إذ ارتفعت كلفة الشحن جوًّا أكثر من 8 أضعاف، فيما إيصال البضائع بحرًا إلى ميناء جبل علي المحوري عبر الجسر البري المؤقت يتطلّب المرور حُكمًا في ميناء خورفكان ذي القدرة الاستيعابية المحدودة نسبيًا، عدا عن الكلفة المرتفعة بشكل كبير.
  • تزامن الحرب في لبنان مع أزمة في دول الخليج العربي، ما يعني تراجع تحويلات المغتربين اللبنانيين، حيث تُقدَّر حصة دول مجلس التعاون الخليجي من مجمل التحويلات إلى لبنان بنحو 26 في المئة.

الخطر على ميزان المدفوعات

النتيجة الحتمية لاجتماع هذه العوامل ستصيب ميزان المدفوعات بضرر بالغ، يضيف أبي نصر، وهذه هي النتيجة الأخطر على الاقتصاد بشقيه العام والخاص. وهي ترسم سيناريوهين لا ثالث لهما:

الأول متفائل، يتوقع انتهاء الحرب قبل نهاية هذا الشهر، ما يفسح المجال أمام التقاط الاقتصاد أنفاسه في موسم صيف 2026، وذلك بعد اختناقات متكررة منذ بداية العام فوتت عليه استثمار التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية الناجمة عن السياحة والإنفاق في أعياد الفطر والفصح والتزلج والسياحة الشتوية.

أما الثاني فمتشائم، ويتوقع عدم انتهاء الحرب قبل نهاية العام، ما يعني تراجعات دراماتيكية تتزايد بمتوالية هندسية شهرًا بعد آخر، مسببة أضرارًا مزمنة من الصعب استيعابها. وستكون قمة هذا التراجع تفويت موسم الصيف الذي لا يُعوَّل عليه لتنشيط قطاع الخدمات فحسب، بل لضخ الدولارات في شرايين الاقتصاد التي نحن بأمسّ الحاجة إليها، وقد بدأنا نواجه شحًّا ملحوظًا في توفرها قياسًا إلى الفترات الماضية.

هذا بالشق العام أي الماكرو اقتصادي، أما على صعيد الميكرو اقتصادي، فإن أبرز دليل على تأثره يبدو في تراجع ثقة القطاع الخاص في لبنان، حيث انخفض مؤشر «توقعات الأعمال» إلى 19.2، مما يعكس تزايد التشاؤم بشأن توقعات القطاع الخاص لنشاط الأعمال خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وقد يكون هذا الشهر هو الأخير الذي ستستطيع فيه الكثير من قطاعات الأعمال تسديد راتب كامل لموظفيها، يقول أبي نصر، فالشركات التي واجهت تكاليف باهظة نتيجة العوامل السابقة الذكر، تراجعت مداخيلها بشكل أكبر، ما اضطر قسمًا منها إلى الاقتطاع من الأجور بهدف الاستمرار بالعمل وتمرير المرحلة إلى حين انتهاء الأزمة. وإذا استمرت الحرب والضغوط الداخلية والخارجية، فإن هذه الشركات ستكون أمام خيارين: إما الإقفال وإما وقف تسديد المعاشات، وفي الحالتين النتيجة كارثية على الاقتصاد والمجتمع، بحسب أبي نصر، إذ إن ذلك يخلق ركودًا تضخميًا.

دور الدولة

رغم التحديات الكبيرة التي تواجه الدولة، فإن دورها في هذه المرحلة بالتحديد يجب يقوم على تخفيف وطأة الأزمة على القطاع الخاص، من خلال “وقف مؤقت لتحصيل الرسوم والضرائب، وليس تخفيضها”، يطلب أبي نصر.

هذا الطرح، الذي قد يُقابل بالاستغراب في بدايته، يصبح أكثر قابلية للفهم عند طرح السؤال الأساسي:

 أين تذهب هذه الضرائب؟

بحسب أبي نصر، أن هذه الضرائب لا يُستفاد منها بشكل فعلي، وهي تتراكم في الحساب رقم 36 لدى مصرف لبنان، الذي بلغ في نهاية نيسان نحو 9.3 مليارات دولار، معظمها بالليرة واللولار، وجزء منها بالدولار النقدي. والمفارقة أن هذه الأموال التي تُستحصل من القطاع الخاص وتزيد من أعبائه وتحدّ من قدرته على دفع الرواتب، تبقى غير قابلة للاستخدام الفعّال في المديين المتوسط والبعيد. فأي انفاق بالليرة، سواء كان على إعادة الإعمار أو رفع الأجور أو تمويل المشاريع.. أو خلافه من الأفكار، من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية بالليرة، ما يرفع الطلب على الدولار في ظل شحّه، ويضغط بالتالي على سعر الصرف.

وعليه فإن وقف تحصيل الضرائب من الشركات، والسماح للشركات استعمال السيولة في المصاريف التشغيلية وفي أولها تسديد الرواتب لموظفيها، تضمن استمراريتها. وتحفّز أيضا الدورة الإنتاجية والاستهلاكية في المجتمع، وتعزز صموده في ظل هذه الظروف، بدلًا من اقتطاع مبالغ لا يمكن توظيفها فعليًا في الوقت الراهن.

مع كل يوم تستمر فيه الحرب، تتزايد الضغوط وتتناقص القدرة على الصمود، ويصبح التعافي أكثر صعوبة. فالمؤسسات التي ستصمد ستخرج بكلفة مرتفعة على مختلف المستويات، المادية والمعنوية، إذ إنها من جهة غير قادرة على استمرار تحمل الاعباء، ومن جهة أخرى غير قادرة على الاستغناء عن عمالها وموظفيها التي استثمرت بهم طويلا. فالشركة التي تتخلى عن موظف اليوم، لن تستطيع استعادته حتى لو استقرّ الوضع بعد شهرين، ما يجعل الضرر طويل الأمد وعميق الأثر على الاقتصاد ككل.