“الطاقة” والمسرح الرحباني: “قصة الغاز ” على إيقاع المخمّس المردود

الغاز

تعيدنا بعض الأحداث الاقتصادية في لبنان سريعًا إلى المسرح الرحباني، حيث يبرع السياسيون في إدخال بعض الألوان الفنية على الإجراءات النظرية. فكلما سمعنا عن اتفاقية الغاز بين مصر، سوريا، الأردن، ومعها لبنان، نتذكر تلقائيا “المخمس المردود في سهرة حب، حين أبدع نصري شمس الدين بترنيم:  جِفت وطير وصيادين، صيادين وجِفت طير، وطيرين وجِت وصياد، بصوته الشجي.

في أحدث تطور يشهده قطاع الطاقة، وقع لبنان اتفاقية جديدة في القاهرة لتنفيذ أعمال إصلاح وإعادة تأهيل “خطوط” الغاز، من خلال قطاع البترول المصري ممثلا في الشركة الفنية لخدمات تشغيل خطوط الغاز TGS.

أسئلة مشروعة

خلافًا لفنون الزجل اللبناني، التي برع الرحابنة في حفظها وإدخالها إلى المسرح بقالب سلس بعيد عن التكلف، بحيث تخترق العقل والقلب من دون استئذان، تبدو المعادلات الاقتصادية ثقيلة وعصيّة على الفهم أحيانًا كثيرة. فما هي اتفاقية الغاز التي “يأخذ ويعطي” فيها لبنان منذ عام 2005، والتي تطلّبت مئات الاجتماعات الرباعية واللقاءات والاتصالات من دون أن تبصر النور فعليًا حتى اليوم؟ وكيف سيحصل لبنان على الغاز من مصر، في حين أن مصر نفسها مستورد صافٍ للغاز، وما تنتجه لا يكفي الاستهلاك الداخلي؟ والأهم من ذلك: ما هي المدة الزمنية المنطقية الفاصلة بين إعادة تأهيل الوصلات النفطية والدخول في عمليات تلزيم جديدة؟ وسؤال إضافي: من أي أموال سيُدفع ثمن الغاز المستورد إلى لبنان؟

رحلة الغاز منذ 2003

تعود فكرة استجرار الغاز المصري إلى لبنان إلى عام 2003، ضمن مشروع الربط الرباعي الذي شمل مصر والأردن وسوريا وصولًا إلى لبنان، تمهيدًا لتحقيق نقلة نوعية في قطاع الطاقة آنذاك.

في ذلك الوقت، كان العمل يهدف إلى تحويل معامل إنتاج الكهرباء من استخدام الفيول أويل المكلف والملوِّث إلى استخدام الغاز الطبيعي. كما كان هناك تحضير لإنشاء معملين جديدين، أحدهما في شمال لبنان والآخر في الزهراني، ليشكّلا باكورة هذا التحول الاستراتيجي، بقدرة إنتاجية تقارب 1000 ميغاواط، ما كان من شأنه أن يتيح الاستغناء تدريجيًا عن معملي الذوق والجية المتقادمين.

وبالفعل، وصل المشروع إلى لبنان في مرحلته الرابعة عام 2009، من خلال وصلة حمص – البداوي بطول يتراوح بين 31 و38 كيلومترًا. وبدأت عملية ضخ الغاز لتشغيل معمل دير عمار في شمال لبنان، بقدرة وصلت حينها إلى نحو 28 مليون قدم مكعب يوميًا.

إلا أن هذا المشروع توقف عن العمل عام 2013، نتيجة الأضرار التي لحقت بخط الغاز داخل سوريا بعد اندلاع الأزمة عام 2011 وما رافقها من تطورات أمنية وسياسية، إضافة إلى تراجع إمدادات الغاز المصرية نحو الأردن، ما انعكس على كامل منظومة الربط.

الوصلة مجددة

المشروع الذي دخل في سبات عميق منذ عام 2013، ولا سيما في الجزء المتعلق بسوريا ولبنان، أُعيد إحياؤه لبنانيًا في عام 2021، نتيجة النقص الحاد في إنتاج الكهرباء والحاجة إلى مصدر طاقة مستدام وأقل كلفة. فتكفلت سوريا بصيانة خط الغاز الذي يصل إلى لبنان من دون بدل مادي، فيما تعهّد البنك الدولي بالمساعدة في تأمين التمويل اللازم لتسديد ثمن الغاز المصري. كما أُعلن في عام 2022 عدم وجود أي عوائق تقنية تعترض مرور الغاز، بعد الانتهاء من إصلاح مقطع خط الغاز بين سوريا ولبنان، الذي كان متعطّلًا منذ فترة طويلة في منطقة قبة شمرا في عكار، وذلك بإشراف وفود من مصر وسوريا، وبمشاركة موظفين من منشآت النفط في طرابلس، ليصبح الخط جاهزًا لاستجرار الغاز.

مصدر الغاز المصري

مشروعية طرح هذه الاستفسارات، على أهميتها، تبدو أنها ليست النقطة المحورية، بل من أين ستؤمّن مصر الغاز إلى لبنان؟ فبلاد النيل عادت إلى استيراد الغاز المسال في نيسان من عام 2024 لمواجهة الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي من قِبل قطاع الكهرباء، والحد من انقطاعات الكهرباء خلال فترة الأشهر الماضية.

ومع بداية العام الحالي، توسعت في عمليات استيراد شحنات الغاز المُسال، مع إبرامها تعاقدات لاستئجار أربع وحدات لبتغويز. وتحصل مصر حاليًا على نحو 1.1 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي الإسرائيلي يوميًا، ومن المنتظر أن ترتفع إمدادات الغاز الإسرائيلي بحلول حزيران المقبل بنحو 18% إلى نحو 1.3 مليار قدم مكعبة.

وكانت مصر قد أبرمت مع إسرائيل في العام 2025 صفقة بقيمة 35 مليار دولار لتصدير الغاز الطبيعي إلى مصر، وُصفت بأنها “الأكبر في تاريخها”، وتضمنت بيع نحو 130 مليار متر مكعب حتى عام 2040، بحسب ما أوضحت شركة “نيو ميد”، الشريكة في حقل ليفياثان الإسرائيلي.

إذا سلّمنا جدلًا بإمكانية توفير مصر الطاقة إلى لبنان في ظل ما تواجهه من ضغوط، فإن مصدره الإسرائيلي سيخلق مشكلة لبنانية، حيث يجرّم القانون التعامل مع إسرائيل. وهذه هي العقبة الثانية.

الحل ليس بالغاز

في جميع الحالات، فإن استيراد لبنان للغاز المصري واستجرار الكهرباء من الأردن أو سوريا لن يحلّ أزمة انقطاع الكهرباء في لبنان وارتفاع كلفتها. ففي ظل ارتفاع نسبة الهدر إلى أكثر من 50%، فإن أي ميغاواط يُضخ على الشبكة سيذهب نصفه هدراً.

ومن غير المتوقع أن تستطيع مؤسسة كهرباء لبنان تأمين كلفة استيراد الغاز والفيول، إضافة إلى الفيول لبقية المعامل، في ظل تراجع الجباية والتسديد بالليرة اللبنانية وصعوبة تحويل المبالغ إلى الدولار للدفع للجهات المورّدة، ما من شأنه أن يخلق مشكلة نقدية، ولا سيما في الظروف الحرجة التي يمر بها لبنان حاليًا.

إضافة إلى كل ما تقدّم، فإن كل الحلول المعتمدة على الخارج والتي تمر عبر العديد من البلدان تفقد لبنان الأمن الطاقوي، ويصبح من السهل عرقلة الإمداد عند أي تحوّل في السياسات، وهو ما سبق أن واجهه لبنان واختبره في العديد من المراحل.

إزاء ما تقدّم، فإن الحل الوحيد لتعزيز الأمن الطاقوي وتأمين الكهرباء 24/24 يتطلب الخروج من احتكار مؤسسة كهرباء لبنان لإنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، وفتح هذا القطاع بأبوابه الثلاثة أمام الاستثمار الخاص، سواء في مجال الطاقة النظيفة أو المعامل الحرارية، بما يعزّز اللامركزية الإدارية، ويحمي المواطنين، ويخفّض الكلفة، ويؤمّن الكهرباء.

ومهما بحثنا وقلّبنا في الحلول، فإنها جميعها لن تغنينا عن فك احتكار الكهرباء، وترك هذا القطاع بعيدًا عن التدخلات السياسية، كائنًا من كان الطرف الذي يتحكّم به، وبصرف النظر عن أي نوايا إيجابية أو سلبية.

بعيدًا عن الأسلوب الرحباني الجميل والمُحدِث في الفن، والذي يخفّف من حدّة الهموم، فإن الواقع الطاقوي يضيف إلى المشهد اللبناني مزيدًا من التعقيد، ويطرح مزيدًا من التساؤلات في ظل ضبابية الرؤية وغياب الوضوح.