للتغني بـ”صناعة” السياحة في لبنان جانب اقتصادي قد يفوق بأهميته الجانب المعنوي. فهذه الصناعة، التي توسعت أفقياً وعمودياً لتضم، إضافة إلى الترفيه والاستجمام، المؤتمرات والاستكشاف والطبابة التجميلية والسياحة البيئية وغيرها من أشكال السياحة الحديثة، شكّلت مصدر الدخل الأكبر بالعملة الأجنبية. وخلافاً للعديد من الدول، فإن السياحة في الوطن لا تقتصر على الأجانب، إنما تشمل أبناءه المغتربين أيضاً، الذين يعودون بعد غياب متشوقين لممارسة كل ما ينسيهم ضغط العمل والجلوس وراء المكاتب لساعات طويلة في الغربة.
ومثلما أصبح معلوماً وظاهراً للعيان، فإن لبنان حُرم على مدار الأشهر الخمسة الماضية من السياحة، إذ فوّتت الحرب، التي بدأت شراراتها تتطاير خلال شباط، ثلاثة مواسم وازنة: موسم التزلج، وعيد الفطر، وعيد الفصح. وبلغ التراجع أوجه خلال شهر آذار، حيث أظهرت بيانات مطار بيروت انكماش أعداد الركاب القادمين بنسبة 65% مقارنة بشهر آذار 2025، وبلغ إجمالي حركة الركاب 139,190 مسافراً مقابل 403,084 مسافراً في آذار 2025.
تداعيات تراجع السياحة على الاقتصاد
خسر لبنان، إذاً، 264 ألف قادم خلال شهر واحد مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. مع العلم أن كل المؤشرات كانت تشير إلى أن نسبة الوافدين قد ترتفع بأكثر من 10%. ولكن، وعلى افتراض أن الرقم مماثل للعام الماضي، فإن الإيرادات السياحية الفائتة تُقدَّر بنحو 10 ملايين دولار يومياً، باعتبار أن السائح ينفق في المتوسط 3000 دولار خلال إقامته في لبنان خلال ظروف الحرب، بحسب تقرير “النتائج الماكرو-اقتصادية الأولى للحرب: تبلور سيناريو الركود التضخمي في العام 2026″، الصادر حديثاً عن بنك عودة. ويأتي هذا التراجع بالتوازي مع انخفاض تدريجي في إجمالي عدد الوافدين بلغ 12.8% في الربع الأول، ليبلغ 1,094,176 مسافراً منذ مطلع العام ولغاية نهاية آذار.
التداعيات السلبية للحرب على القطاع السياحي لا تنحصر بالحرب وحدها، رغم بالغ ضررها، بل إن “الاختلالات المستمرة في قطاع الكهرباء تشكل عائقاً رئيسياً أمام نشاط الخدمات. فالإمداد المتقطع للشبكة والاعتماد الكبير على الإنتاج الخاص يؤديان إلى ارتفاع كبير في تكاليف التشغيل لدى الشركات في قطاعات السياحة وتجارة التجزئة والاتصالات”، بحسب التقرير. و”على الرغم من ازدياد الاستثمارات في الطاقة الشمسية خارج الشبكة والمبادرات الأخيرة لتطوير إنتاج الكهرباء من الغاز عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص، فمن المتوقع أن تستمر التحديات الهيكلية على المدى القصير، ما يحد من تحسن جودة الخدمات وكفاءة التشغيل”.
الإيرادات المحققة من القطاع السياحي، والتي وصلت إلى حدود 5 مليارات دولار في العام الماضي، تبقى أقل من تلك التي استطاع لبنان تحقيقها بين العامين 2010 و2011 بمقدار النصف تقريباً. وبدلاً من أن تشهد الإيرادات نمواً متواصلاً منذ ذلك العام، أصبحت تتراجع تدريجياً نتيجة المشاكل السياسية والأمنية وصولاً إلى الاقتصادية والنزاع العسكري. وفوّتت على الاقتصاد عشرات مليارات الدولارات، كان من شأنها دعم ميزان المدفوعات وتأمين موارد مالية بالعملة الصعبة والمساعدة على استقرار السياسة النقدية.
الغموض سيد الموقف
وفي جميع الأحوال، فإن القطاع الثالث المتمثل بالخدمات، والتي تحتل فيه السياحة مركز الثقل، لم يعد يسير في مسار واضح نحو العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة، بحسب التقرير، مع توقع أن يكون التعافي غير متكافئ على الأمد القصير. فالبيئة الحالية أقل ملاءمة للنمو بسبب تداخل المخاطر الأمنية مع القيود الهيكلية المستمرة تاريخياً. وعلى الرغم من أن القطاع الخاص يُظهر شيئاً من القدرة على التكيف مع تغير أنماط الاستهلاك، ما يوفر قدراً من الصمود، فإن تحقيق تحسن مستدام يتطلب استقراراً أكبر وإجراءات حكومية فعالة لمعالجة التحديات الهيكلية المزمنة.
تراجع الإيرادات من القطاع السياحي لا يعطل المؤسسات ذات الصلة فحسب، ويؤدي إلى تراجع القدرة على التوظيف أو الإقفال في أسوأ الحالات، إنما يمتد بشكل مباشر إلى تعطيل القدرة على تأمين أبسط الحاجات. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، فإن شحنة المازوت التي استقدمتها وزارة الطاقة لمصلحة المؤسسة العسكرية والقطاع العام، وبقيمة 51 مليون دولار، ما زالت متوقفة في البحر منذ 28 آذار بسبب ما وصفته الوزارة بـ”تعقيدات تواجه تأمين هذا المبلغ، بسبب الصعوبات التي تعاني منها السلطات المالية الرسمية في توفير السيولة بالعملة الأجنبية بالسرعة التي كانت قائمة في السابق”.
والترجمة الحرفية لبيان وزارة الطاقة تتمثل في تراجع تدفق الدولار إلى لبنان من السياحة أولاً، ومن المغتربين ثانياً، ومن الصادرات ثالثاً، ذلك أن بقية التدفقات الرأسمالية والاستثمارية شبه معدومة. وتفيد أوساط مصرفية بأنه، “لولا الإدارة السليمة للسيولة بين وزارة المالية ومصرف لبنان نظرياً، وعلى أرض الواقع تطبيقياً، من خلال قطع دابر المضاربة على الليرة وإيكال عملية التعاطي مع السوق لتنفيذ هذه السياسة إلى جهة متخصصة تضمن، إضافة إلى عدم المضاربة، اتباع أفضل شروط وممارسات مكافحة تبييض الأموال، لكان الوضع حتماً أخطر”.
هذه السياسة انعكست استمراراً في الاستقرار النقدي، وذلك على الرغم من تراجع الاحتياطيات بالعملات الأجنبية، حيث حافظت الليرة اللبنانية على استقرارها خلال الربع الأول من العام 2026. وقد هذا الاستقرار في ظل الخسائر الاقتصادية الكبيرة الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية على مناطق لبنانية عدة، وتسجيل مصرف لبنان انخفاضاً صافياً في احتياطياته السائلة من العملات الأجنبية في ظل ضغوط مالية مرتبطة بالحرب. وقد تراجعت هذه الاحتياطيات بمقدار 539 مليون دولار بين منتصف شباط ونهاية آذار 2026 (ووصلت إلى نحو 641 مليون دولار لغاية نهاية نيسان)، ما يعكس الضغط على المالية العامة من جراء الحرب، إضافة إلى عجز مالي ناتج عن نفقات طارئة مرتبطة بالحرب والنزوح، بالتوازي مع تراجع الإيرادات العامة.
ومع ذلك، يؤكد تقرير “عودة” أنه لا مخاطر فورية لانخفاض أو ارتفاع قيمة العملة. فعلى الصعيد النقدي، لن تكون هناك ضغوط لخفض قيمة العملة أو رفعها في المدى القصير، الأمر الذي يعزز فكرة استقرارها في حال صمود وقف إطلاق النار. فمن جهة، لا توجد ضغوط أساسية لخفض قيمة العملة، إذ لن يكون هناك خلق كتلة نقدية ضخمة بالليرة اللبنانية مقارنة باحتياطيات مصرف لبنان الحالية بما يهدد الاستقرار النقدي في المدى القريب. ومن جهة أخرى، لا يوجد بطبيعة الحال قرار بتحسين قيمة العملة من قبل مصرف لبنان، إذ تفضل السلطات النقدية الحفاظ على سعر صرف يمكن الدفاع عنه مع الوقت، كما أن صندوق النقد الدولي لا يوصي بأي تحسين لقيمة العملة قد يثبت عدم استدامته.
السياحة في لبنان لا تقتصر أهميتها على تحريك الفنادق والمطاعم والمواقع التاريخية والدينية، بل تشكل دورة اقتصادية متكاملة تضخ العملات الأجنبية في شرايين الاقتصاد الوطني، في مرحلة تشتد فيها الحاجة إلى السيولة بالعملة الصعبة لدعم السياسة الاقتصادية وتعزيز إيرادات الدولة، تمهيداً لإقرار قانون الفجوة المالية.
