خسائر الحرب تضغط على الاقتصاد.. وانكماش متوقع بـ16%

الاقتصاد

لا تعطي تقديرات خسائر حرب 2026 حقَّها. فمهما كانت الأرقام كبيرة، أو حتى مبالغاً بها، تبقى أقل من الكلفة الحقيقية التي يتحملها الاقتصاد. فالأضرار لا تُقاس بعدد ما تهدّم من وحدات سكنية أو تجارية، ولا بما سجّلته السياحة من تراجع، إنما بنسيج بشري ومادي ومعنوي أخذ يتحلل منذ عام 1958، بحسب معهد التمويل الدولي، تاركاً لبنان يواجه العديد من الأحداث والصراعات التي خلّفت آثاراً سلبية، وإن تخللتها فترات نمو وانتعاش نسبية.

في تقريره الأخير، «بلد على مفترق طرق: الحرب والصدمة الاقتصادية – آذار 2026»، حدّد كبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى في معهد التمويل الدولي، الدكتور غاربيس إيراديان، التداعيات الاقتصادية الرئيسية للحرب الدائرة في لبنان، ولا سيما ما يتعلق بعائدات السياحة، وتدهور الميزان الخارجي، ضعف المؤسسات العامة.

السياحة تتراجع

على الصعيد السياحي، تُظهر أرقام مطار بيروت الدولي انكماشاً كبيراً في عدد الركاب القادمين عبر المطار خلال شهر آذار، إذ بلغت نسبة التراجع 65% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. أما على المستوى السنوي، فقد انخفض عدد المسافرين عبر المطار بنسبة 13.04% حتى نهاية شهر آذار. وباعتبار أن السائح ينفق، في المتوسط، نحو 3000 دولار خلال إقامته في لبنان، فإن الإيرادات السياحية الفائتة تُقدَّر بنحو 10 ملايين دولار يومياً.

هذا التراجع الكبير في أعداد الوافدين انعكس على القطاع الفندقي، حيث تراجعت نسبة الإشغال إلى ما بين 5 و10%، مقارنة بنحو 40% في العام الماضي. وقد استدعى ذلك وضع عدد من العاملين في إجازات قسرية، وإقفال بعض الفنادق أو أقسام منها لتوفير الأكلاف التشغيلية. كما انتقل العديد من الفنادق في المناطق الجبلية إلى العمل الموسمي، بعدما كانت تفتح أبوابها على مدار العام.

عجز الحساب الجاري يتفاقم

ومما زاد الطين بلة، تصاعدُ التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ما انعكس سلباً على تحويلات المغتربين اللبنانيين في دول مجلس التعاون الخليجي. ونتيجة لذلك، «من المرجح أن يتسع عجز الحساب الجاري أيضاً بسبب زيادة قيمة الواردات بالدولار الأميركي، بعد ارتفاع أسعار السلع الأساسية»، بحسب المعهد، «ولا سيما أسعار النفط، بالإضافة إلى اضطرابات صادرات السلع وتراجع قطاع السياحة».

نتيجةً لذلك، «انخفضت احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية بنحو 446 مليون دولار أميركي بين 28 شباط 2026 و30 نيسان 2026، لتصل إلى نحو 11.43 مليار دولار»، بحسب المعهد. وقد جاء هذا التراجع عقب انخفاض موازٍ خلال حرب 2024، إذ تراجعت احتياطيات العملات الأجنبية أيضاً بنحو 490 مليون دولار بين 15 أيلول و30 تشرين الثاني 2024. إضافةً إلى ذلك، أثّر انخفاض أسعار الذهب، في أعقاب تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، سلباً على ميزانية المصرف المركزي، ما أدى إلى تراجع إجمالي أصوله بمقدار 5 مليارات دولار أميركي بين نهاية شباط ونيسان 2026.

عبء القطاع العام

إزاء هذا التدهور على مختلف المستويات، توقّع معهد التمويل الدولي أن يشهد عام 2026 عجزاً مالياً، في ظل توقعات بانخفاض تحصيل الإيرادات نتيجة عدم القدرة على جباية الضرائب وعائدات الخدمات، مثل المياه والكهرباء وغيرها، من المناطق المدمَّرة. ومن شأن ذلك أن يحدّ من قدرة الدولة على تأمين نفقاتها، التي أصبحت بمعظمها تشغيلية، إذ تستحوذ الرواتب وحدها على أكثر من 50% من الإيرادات، من دون أن يقابلها إنتاج فعلي. وتشير شركة Information International إلى أن نحو 38% من المسجلين على كشوف رواتب الدولة هم من المتقاعدين.

توقّع تقرير معهد التمويل الدولي، بشكل متفائل، أن تبدأ إعادة الإعمار بين عامَي 2027 و2028، وهو ما يُعدّ تقديراً شديد التفاؤل. فإعادة الإعمار لا يمكن أن تتم إلا عبر المساعدات والمنح الخارجية. والمشكلة لا تقتصر على حجم الضرر المادي المباشر، الذي يُتوقع أن يكون قد تراوح بين 15 و20 مليار دولار، بل تمتد إلى مصدر التمويل. فالدول العربية ستكون أمام تحدٍّ سياسي في مساعدة لبنان، ولا سيما في ظل عدم حلّ مسألة الميليشيات واستعادة الدولة زمام الأمور. ومن دون إغفال الوضع الاقتصادي الصعب، الذي أدى إلى هجرة الرساميل من العديد من الدول، وتأثر قطاعات أساسية قي الاقتصاد، مثل النفط، والتي تتطلب أشهراً طويلة للتعافي بعد انتهاء أزمة مضيق هرمز. ويُضاف إلى كل هذه التحديات ضرورةُ إنجاز لبنان الإصلاحات المالية، إذ لن تكون هناك مساعدات ما لم تُنفَّذ هذه الإصلاحات وتحصل على موافقة صندوق النقد الدولي.

في الخلاصة، يتوقع معهد التمويل الدولي أن تؤدي حرب 2026 الدائرة حالياً إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 12% و16%، تبعاً لمدة الحرب. وإذا انطلقنا من آخر الأرقام، التي تشير إلى أن الاقتصاد سجل نمواً بنسبة 3.6% في عام 2025، بعدما بلغ الناتج المحلي نحو 30.5 مليار دولار في عام 2024، بحسب إدارة الإحصاء المركزي، فإن الخسائر التي سيتكبدها الاقتصاد اللبناني جراء هذه الحرب، بمعزل عن كلفة إعادة الإعمار، ستتجاوز 5 مليارات دولار، وستعيد الناتج من حدود 31.6 مليار دولار، إلى حدود 27 مليار دولار.