صادق مجلس الشيوخ الأميركي على تعيين كيفين وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، بـ54 صوتاً مؤيداً مقابل 45 معارضاً. وقد عُدّ هذا التصويت الأكثر انقساماً في تاريخ تعيينات رؤساء البنك المركزي الأميركي.
صعد وارش إلى المنصب النقدي الأرفع في الولايات المتحدة متكئاً على ثروتين، مادية وعملية؛ الأولى تتجاوز 100 مليون دولار، والثانية تختزن رصيداً من العمل في الأسواق المالية والمصارف العالمية والاحتياطي الفيدرالي نفسه، حيث كان وارش، قبل 20 سنة، حاكماً في مجلس الاحتياطي عن عمر بلغ 35 عاماً. واستمر عمله في الفيدرالي بين عامي 2006 و2011، وهي الفترة التي شهدت بداية استهانة المسؤولين بمخاطر أزمة الرهن العقاري، قبل الانخراط في سياسات إنقاذ تاريخية. حينها، كان وارش منتقداً للتوسع غير المسبوق في شراء الأصول (التيسير الكمي)، الذي دفع ميزانية البنك إلى تجاوز 4 تريليونات دولار، معتبراً أن تلك البرامج تمادت أكثر مما ينبغي. ومنذ مغادرته المنصب، ظل وارش منتقداً ثابتاً للسياسة النقدية، بل دعا، في مقابلة مع «سي إن بي سي» العام الماضي، إلى «تغيير النظام» داخل البنك المركزي.
وارش والفائدة
يحظى وارش بدعم واضح من الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحزب الجمهوري. وعلى الرغم من إصراره، في تصريحاته، على حفظ استقلالية الفيدرالي الأميركي من التدخلات السياسية، فإنه يُتوقع منه، على نطاق واسع، تنفيذ رغبة ترمب بخفض الفائدة تدريجياً. فخلال مقابلة له مع «فوكس نيوز»، قال مدير المجلس الاقتصادي الوطني التابع للبيت الأبيض، كيفن هاسيت، إنه يعتقد أن الأسواق تشعر بالارتياح لأن وارش «سيساهم في خفض أسعار الفائدة تدريجياً». وأضاف هاسيت: «من الواضح أن هذا القرار مبني على البيانات. أنا لا أمارس أي ضغط على كيفين وارش».
مواقف تشيد بالحاكم الجديد
وفي الموازاة، حثّ زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون، الجمهوري عن ولاية ساوث داكوتا، زملاءه على دعم وارش، قائلاً إنه من الأهمية بمكان أن يفهم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليس فقط الاقتصاد الكلي، بل أيضاً أن يُقدّر الاقتصاد الجزئي، أي الأميركيين المجتهدين ووظائفهم ومصادر رزقهم، مضيفاً أن «كيفين وارش هو خير مثال على ذلك».
وفور المصادقة على تعيين وارش، علّق وزير الخزانة سكوت بيسنت قائلاً إن «تعيين وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي يدشّن عهداً جديداً في مؤسسة تحتاج إلى المساءلة والتوجيه السياسي السليم».
عقبة جيروم باول والمعارضين
وفي مقابل الدعم السياسي الذي تلقاه وارش، فمن المتوقع أن يلاقي معارضة داخلية صلبة لأي قرار قد يتخذه بخفض سعر الفائدة بعيداً عن مؤشرات التضخم الفعلية. فالرئيس العنيد للفيدرالي، جيروم باول، أعلن أنه سيستمر في العمل داخل مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي «لفترة من الوقت» كعضو بعد انتهاء فترة رئاسته في 15 أيار 2026، ذلك أن عضويته الرسمية في المجلس تنتهي في 31 كانون الثاني 2028.
كذلك، لم تنجح محاولات الرئيس ترمب في دفع المحافظة ليزا كوك، التي ترفض بشدة سياسات التيسير النقدي، إلى الاستقالة، وقد سمحت المحكمة العليا الأميركية لها بالبقاء مؤقتاً في منصبها إلى حين البت النهائي بالقضية. كما تُعدّ المحافظة ميشال بومان من أكثر الأعضاء تشدداً داخل الفيدرالي، وقد عبّرت مراراً عن قلقها من بقاء التضخم مرتفعاً، معتبرة أن التسرع في خفض الفائدة قد يعيد إشعال الأسعار.
وبقدر ما يرغب الرئيس ترمب في وجود رئيس للبنك المركزي يحفّز الاقتصاد عبر أسعار فائدة منخفضة، يدرك وارش أنه مراقب بدقة من قبل الأوساط المالية التي جاء منها الذي عرفته “صقرا” حريصاً على كبح التضخم. ومع هذا تخشى العديد من الاوساط انضمامه إلى حمائم الإدارة وتنفيذه الرغبات السياسية، مشتبهين بحدوث تحول انتهازي في مواقفه.
