تقمّص الذهب شخصية سعر الصرف، وأصبح مادةً للتساؤل اليومي عن مصيره. فبعد إراحة المواطنين من همّ تقلّبات الليرة، وضبطها بآلية عملية وحّدت عمليات شراء الدولار من السوق، وقضت على المضاربة من دون أي كلفة على الدولة، اصفرّ الهم. فلا يلتقي اثنان إلا ويكون سعر الذهب ثالثهما: “نشتري أم نبيع؟”، “هل يمكن أن ينخفض السعر أكثر، أم سيعود إلى الارتفاع؟”. أسئلة كثيرة يحركها “عطش” اللبنانيين إلى تحقيق مورد إضافي، وتغذيها وراثة فطرية لاقتصاد ريعي قائم على المضاربة والربح السريع.
بعد ملامسته عتبة 4000 دولار، عقب الإعلان عن تعثر الاتفاق مع الإيرانيين وتهديد الولايات المتحدة بتوجيه ضربات قاسية إلى طهران، عاد الذهب ليرتد صعودًا في افتتاح آخر يوم عمل من الأسبوع، على خلفية انحسار هذا التعثر واقتراب التوصل إلى اتفاق، محققًا 4215 دولارًا للأونصة.
الارتفاع بأسعار المعدن الأصفر يعود إلى سببين عريضين:
أولًا: السبب السياسي والاقتصادي، ويرتبط بإمكانية خفض الفيدرالي الأميركي لأسعار الفائدة، أو على الأقل عدم رفعها في أسوأ السيناريوهات، في حال توقف الحرب. إذ إن انتهاء النزاع من شأنه أن يفتح مضيق هرمز، ما يؤدي إلى تراجع أسعار النفط بشكل كبير، وانخفاض تكاليف الشحن والتأمينات البحرية التي قفزت بنسبة تقارب 4000% منذ بدء النزاع. هذا التراجع ينعكس انخفاضًا في أسعار السلع والخدمات، وبالتالي تراجع التضخم، ما يتيح للبنوك المركزية خفض أسعار الفائدة. وعندها تزداد جاذبية الذهب مقارنة بالأدوات المالية الأخرى، وفي مقدمتها السندات.
كما يعزز هذا الاتجاه وجود طلب كبير من البنوك المركزية على الذهب، حيث واصل بنك الشعب الصيني للشهر التاسع عشر على التوالي زيادة احتياطاته من السبائك، فيما تقوم بنوك مركزية أخرى، مثل بنك اليابان، بخطوات مماثلة.
ثانيًا: السبب التقني، ويرتبط بعودة المستثمرين إلى شراء الذهب بعد كسره حاجز 4100 دولار للأونصة واقترابه من عتبة 4000 دولار. فقد سجل الذهب في افتتاح تعاملات الخميس 11 حزيران مستوى 4023 دولارًا للأونصة، وتراجع دون المتوسط المتحرك لـ200 يوم، وهو مؤشر يُستخدم لقياس الزخم طويل الأجل. عند هذا المستوى، عاد المستثمرون للشراء. فالأسواق قرأت وصول السعر إلى هذا المستوى على أنه نقطة دعم، أي إن احتمالات الهبوط باتت محدودة على المدى القريب، وذلك على الرغم من بروز متغيرين إثنين:
- رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ ما يقارب ثلاث سنوات إلى 2.25%، وتحذير رئيسة البنك كريستين لاغارد من اتساع التضخم الناجم عن الصراع ليشمل قطاعات تتجاوز الطاقة.
- توقعات بعض البنوك الاستثمارية، مثل سيتي بنك، بإمكانية تراجعه إلى 3500 دولار. لكن السيناريو يبقى مشروطًا بتطورات جيوسياسية، مثل تجدد الحرب أو إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، وما قد يرافق ذلك من ارتفاع كبير في المخاطر الأمنية والعسكرية في منطقة الخليج.
نشتري أم نبيع؟
في الوقت الذي تتباين فيه التحليلات فيما يخص سعر الذهب، فهي تتفق على أن المستقبل صعودي، وأن البيع اليوم سيحرم المستثمرين من فرصة ارتفاع الأسعار غدًا.
ولعل أكثر ما تنتظره الأسواق لرسم المصير هو قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر يومي 16–17 حزيران. فإن الرهانات المتصاعدة على رفع الفائدة قد يكون لها تأثير وشيك على المعادن الثمينة، إذ إن ارتفاع أسعار الفائدة قد يولّد ضغطًا بيعيًا واسعًا قبيل اجتماع الفيدرالي نتيجة تبخّر المراكز المضاربية. وإذا أغلقت العقود الآجلة للذهب هذا الشهر دون مستوى الدعم الهام عند4000 دولار، فقد تعقب ذلك موجة بيع مدفوعة بالذعر في الشهر المقبل، أما في حال العكس فإن أسعار الذهب ستعاود الارتفاع.
