إصلاح المؤسسات العامة في لبنان: قراءة في تقرير صندوق النقد الدولي

المؤسسات العامة

هل يقرأ المسؤولون اللبنانيون التقارير الدولية؟ إن كان الجواب لا، فالمصيبة كبيرة، لأنهم يتجاهلون تقييمًا تعتمد عليه مختلف الجهات المراقبة والمانحة والمقرضة. أما إذا كان الجواب نعم، فالمصيبة أكبر بما لا يقاس، لأنهم يعلمون ما يفعلون ولا يتعظون. في هذا الإطار، أتى رأي صندوق النقد الدولي في المؤسسات العامة المملوكة للدولة (SOEs) في فصل كامل ضمن التقرير التشخيصي «الحكومة والفساد» الصادر حديثًا.

يضم النظام التشريعي اللبناني أكثر من 174 كيانًا وعددًا كبيرًا من الوكالات والهيئات المستقلة ذات الطابع التجاري والإداري والاستثماري. مشكلة هذه الكيانات الجوهرية أنها مدرجة تحت عنوان “مؤسسات عامة” من دون تمييز كافٍ ما إذا كانت تجارية أو غير تجارية. وعليه يرى صندوق النقد الدولي أن هذا التعريف “فضفاض”، ويغفل عنصرًا أساسيًا يميز بين التوجه التجاري والتوجه “الربحي” لتحديد الكيانات التجارية. ويتجاهل هذا النقص في التمييز الظروف والاحتياجات الخاصة لكل نوع من الكيانات، ويؤثر على تصنيفها ومراقبتها وتقييمها، ويؤدي إلى تطبيق مبادئ وأطر حوكمة موحدة لكلا النوعين. وهذا النهج غير كافٍ للمؤسسات التجارية، التي تتطلب عادةً أداءً ماليًا أكثر قوة وأطرًا أكثر فعالية للمراقبة – نظرًا لمخاطرها المالية الكبيرة – وأطر حوكمة مؤسسية أكثر مرونة وكفاءة.

أمثلة عن فوضى المؤسسات العامة

هذا من حيث الجوهر، أما في الممارسة فلم يقل صندوق النقد الدولي ما نجهله. فهذه المؤسسات تعاني برأيه من التدخلات السياسية وتركيب مجالس إدارة طائفية محدودة الصلاحيات الفعلية، تتبع لوزراء الوصاية. ويطغى في هذه المؤسسات التوظيف العشوائي وغياب الرقابة وضعف الحوكمة وتشابك الصلاحيات بين الوزارات والجهات المعنية. وتغيب عن هذه المؤسسات آليات لتحديد أهداف واضحة ومؤشرات تقييم الأداء.

باختصار تؤدي الآليات ذات درجات الفعالية المتفاوتة إلى طمس خطوط المساءلة والمسؤولية عن أداء المؤسسات، وتُتيح فرصًا لسوء الإدارة. ولم يكن غريبًا أن يعطي الصندوق الكهرباء والاتصالات وطيران الشرق الأوسط والمرفأ كأمثلة عن هذه الفوضى المستحكمة منذ عقود.

  • تضم شركة الكهرباء اللبنانية (EdL) مجلس إدارة ورئيسًا تنفيذيًا يشغل أيضًا منصب رئيس مجلس الإدارة. وتتولى وزارة الطاقة الإشراف الإداري، ولها صلاحية الموافقة على جميع القرارات التشغيلية والإدارية الرئيسية، بينما تُعتمد وزارة المالية جميع القرارات المالية، ولا يُسمح لهيئة الرقابة المالية إلا بإجراء التدقيق اللاحق.

 

  • تُدار شركتا الاتصالات الحكوميتان “تاتش” و”ألفا” مباشرةً من قِبل وزير الاتصالات، الذي يمارس، خلافًا لمبادئ الحوكمة الرشيدة للشركات المملوكة للدولة، بعض صلاحيات ومسؤوليات مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، بالإضافة إلى وظائف المساهمة والإشراف. وهذا يعني، على سبيل المثال، أن أي نفقة أو عملية أو عقد يتجاوز 50,000 دولار أمريكي يتطلب موافقة الوزير. ويقتصر مجلس الإدارة على الأعضاء التنفيذيين، ويقتصر دوره على الإجراءات الشكلية. وقد تم استحداث نظام تدقيق داخلي مؤخرًا، ويرتبط مباشرةً بالوزارة.

 

  • اعتمدت شركة طيران الشرق الأوسط، المملوكة بالكامل للبنك المركزي اللبناني، هياكل الحوكمة المنصوص عليها في قوانين الشركات. يتحمل مجلس الإدارة مسؤولية الأداء المالي والتشغيلي العام للشركة، بينما يتولى الحاكم مباشرةً إدارة شؤون المساهمين في المصرف المركزي دون أي شفافية أو مساءلة. ولا توجد لوائح أو سياسات داخلية تُنظم وظائف ملكية البنك المركزي.

 

  • يُدار ميناء بيروت، وهو “ملكية عامة وطنية”، من قِبل هيئة إدارية مؤقتة هي “اللجنة المؤقتة لإدارة واستثمار مرفأ بيروت”. وتتولى هذه اللجنة مسؤولية إنفاق إيراداتها وتحديد الأعمال المطلوبة ومنح العقود ذات الصلة. وعلى عكس الشركات المسجلة، لا تنشر اللجنة المؤقتة ميزانيات أو بيانات مالية، كما أنها ليست كيانًا قانونيًا قائمًا بذاته. وهي غير خاضعة لأي متطلبات للشفافية. ولا توجد قواعد موحدة لإعداد التقارير المالية والتدقيق، مما يعيق إضفاء الطابع المهني على الملكية الحكومية، ويخلق آليات متعددة للحوكمة والمساءلة بدرجات متفاوتة من الفعالية، ويُتيح فرصًا لسوء الإدارة.

الحل:

انطلاقًا من هذا الواقع يرى صندوق النقد الدولي أن الأولوية يجب أن تُعطى للإجراءات التي يمكن تنفيذها دون تغييرات تشريعية، مما يتيح إحراز تقدم فوري مع وضع الأسس المؤسسية لإصلاح قانوني شامل يتماشى مع المعايير الدولية وأفضل الممارسات. ويُقسم الإصلاح إلى شقين:

قصير المدى، ويتضمن:

  • إجراء جردة كاملة وتصنيف لجميع الشركات المملوكة للدولة بناءً على المعايير الدولية، ونشر النتائج علنًا.
  • إجراء عملية فرز لتحديد الكيانات التي يجب الإبقاء عليها أو دمجها أو حلها أو إعادتها إلى سيطرة الحكومة.
  • تحسين ممارسات إعداد التقارير المالية من خلال تطوير نماذج موحدة وتدريب الوحدات المالية ونشر البيانات المالية للشركات المملوكة للدولة.
  • إدخال اتفاقيات إدارة الأداء بأهداف واضحة والتزامات بالشفافية.
  • نشر معايير قائمة على الجدارة لتعيينات مجالس الإدارة.

طويل المدى: تحويل المؤسسات إلى شركات مساهمة. وبموجب القوانين والصلاحيات القانونية القائمة، تستطيع الحكومة فرض الامتثال للمعايير الخاصة والدولية في ثلاثة مجالات رئيسية:

  • تعيين أعضاء مجلس الإدارة بناءً على أفضل الممارسات المعتمدة.
  • الالتزام بمعايير عالية في المحاسبة والإبلاغ والإفصاح.
  • تطبيق إجراءات تدقيق صارمة.

فتح القطاعات على المنافسة بديلا أكثر كفاءة

خلافًا للعديد من الدول التي نجحت فيها تجربة تحويل المؤسسات إلى شركات مساهمة على غرار نيوزيلندا وسنغافورة وحتى فرنسا والسويد، فإن الوضع في لبنان أكثر تعقيدًا. فتحويل المؤسسات العامة إلى شركات مساهمة يفترض حلاً من اثنين:

  • إما بقاء ملكية المؤسسات بنسبة 100% للدولة وتملكها من قبل صندوق سيادي أو شركة قابضة أو هيئة حكومية.
  • وإما امتلاك الدولة النسبة الأكبر من الأسهم (51%) وطرح الباقي (49%) للاكتتاب العام من الجمهور.

في الحالتين فإن التجربة تحمل مخاطر عالية حتى باعتراف صندوق النقد الدولي، الذي رأى في التقرير أن “تحويل الشركات إلى شركات مساهمة قد أثبت جدواه في دول أخرى، إلا أنه لا ينبغي اعتباره خطوة أولى أساسية في لبنان، نظرًا للتعقيدات التشغيلية والتأخيرات المحتملة المرتبطة بهذه العملية، لا سيما في ظل الأزمة الراهنة”. ويضيف الصندوق أن “تحويل الشركات إلى شركات مساهمة من خلال إصلاح شامل للشركات المملوكة للدولة يستلزم إجراءات تشريعية صعبة ومعقدة ذات تداعيات سياسية يجب التعامل معها بحذر لتحقيق النتائج المرجوة. إضافةً إلى ذلك، يُشكل نقص المعلومات الموثوقة بشأن الوضع المالي للعديد من الشركات المملوكة للدولة حالة من عدم اليقين ومخاطر مالية كبيرة، مما يُؤكد الحاجة إلى اتخاذ إجراءات فورية وذات أولوية دون انتظار اكتمال عملية تحويل الشركات إلى شركات مساهمة.

ولعل من أولى هذه الإجراءات فتح القطاعات أمام المنافسة، وإلغاء احتكار الدولة لـ المؤسسات العامة لتقديم الخدمات في الكهرباء والمياه والاتصالات والطيران والموانئ البحرية… وغيرها من القطاعات. فلتحلّ الدولة مشكلة مؤسساتها على مهل، ولكن فلتسمح لجهات خاصة بإنتاج الكهرباء وتوفير الاتصالات وتأمين المياه والنقلين البحري والجوي… والأمر نفسه ينسحب على بقية الخدمات. وما المانع من تخصيص أحد الموانئ البحرية الأساسية وإنشاء مطارات جوية خاصة؟ لتدخل كل هذه الموانئ في منافسة مع بعضها البعض، وحتى مع مؤسسات الدولة. وبهذه الطريقة لا يموت ذئب القطاع العام ولا يفنى غنم القطاع الخاص.