يكفي أن يحظى لبنان بالقليل من الاستقرار حتى تعود المعنويات إلى الارتفاع. ليس في الأمر مبالغة أو “شطحة” شعرية، إنما هو واقع استند إلى أرقام مؤشر مدراء المشتريات لشهر حزيران الماضي. وقد سجل هذا المؤشر، البالغ المدلولات العلمية والعملية، قراءةً أعلى من المستوى المحايد البالغ 50 نقطة للمرة الأولى منذ شهر شباط.
باختصار، تشير القراءة التي تزيد على 50 نقطة إلى تحسن النشاط الاقتصادي مقارنة بالشهر السابق، فيما تشير القراءة التي تقل عن 50 نقطة إلى انكماش النشاط الاقتصادي. ولاحتساب المؤشر، يقوم بنك بلوم لبنان، مُصدر المؤشر، بإرسال استبيان شهري إلى 400 شركة تنشط في مختلف القطاعات التجارية والخدماتية والإنتاجية. ويتضمن الاستبيان خمسة محاور رئيسية، تختلف أوزانها النسبية، وهي: الطلبيات الجديدة (30%)، ومستوى الإنتاج (25%)، ومستوى التوظيف (20%)، ومواعيد تسليم الموردين (15%)، ومخزون المشتريات (10%).
الطلبيات الجديدة تقود النمو
في حزيران الماضي، ارتفع مؤشر مدراء المشتريات إلى 50.3 نقطة، مقارنة بـ49.7 نقطة في أيار، ليعود إلى منطقة التوسع للمرة الأولى منذ أربعة أشهر. وجاء هذا النمو مدفوعًا بـ الطلبيات الجديدة، وهي المكوّن الأعلى وزنًا في احتساب المؤشر، إذ سجلت أعلى معدل زيادة لها خلال أربعة أشهر. كما ارتفع الإنتاج إلى أعلى مستوى له خلال الفترة نفسها، استجابةً لتزايد الطلب.
النمو الذي شهده شهر حزيران في بندَي الطلبيات الجديدة والإنتاج، مرده العودة الجزئية للنازحين داخليًا، الذين استأنفوا أنماط الاستهلاك الطبيعية وأعمال إصلاح المنازل، بحسب الباحثة في بلوم إنفست، ميرا سعيد. كما عزز هذا النمو التحول نحو المنتجات المحلية، بعدما جعلت الضرائب الجديدة المفروضة على السلع المستوردة التي تولّد نفايات بعد الاستخدام المنتجات المحلية أكثر جاذبية للمستهلكين، (وذلك قبل تعليق العمل بهذه الضريبة إلى موعد لاحق).
انكماش الصادرات
كان لافتًا أن النتيجة الإيجابية التي سجلها المؤشر في حزيران جاءت بمعزل عن زيادة الطلبيات الجديدة على الصادرات، التي بقيت في حالة انكماش. وفي حال استئناف التصدير إلى السعودية، بعد رفع الحظر مؤخرًا، وما قد يستتبعه من استعادة حركة التصدير برًا إلى بقية الدول العربية، إلى جانب تحقيق موسم سياحي ناجح مع عودة المغتربين ورفع الإمارات حظر سفر مواطنيها إلى لبنان، فمن المرجح أن تشهد مختلف مكونات المؤشر مزيدًا من التحسن، بما يعكس نموًا أقوى في الاقتصاد، وزيادة في فرص العمل، وتعزيزًا لمخزون المشتريات، وهي مؤشرات تصب جميعها في اتجاه واحد: عودة النمو إلى الاقتصاد اللبناني.
الأسعار والتكاليف
إضافة إلى الوضع الأمني والتشنج السياسي، تبقى الأسعار من أبرز العوامل التي تعيق النمو الاقتصادي، سواء القائم على الاستهلاك أو الاستثمار. فمن جهة، يشهد لبنان تضخمًا تجاوز 20% في حزيران، فيما تواصل تكاليف الإنتاج ارتفاعها نتيجة احتكار الدولة، كليًا أو جزئيًا، عددًا من الخدمات الأساسية، إلى جانب ضعف البنى التحتية. وعزت الشركات ارتفاع نفقاتها خلال حزيران 2026 إلى الضغوط على تكاليف الاستيراد، مشيرةً بصورة خاصة إلى ارتفاع أسعار مواد البناء والنقل والوقود. كما رفعت أسعار السلع والخدمات في محاولة لتعويض الضغوط التي تتعرض لها هوامش أرباحها.
في المقابل، تعاني مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية من ارتفاع كلفة الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل. فنتيجة احتكار الدولة هذه الخدمات، كليًا أو جزئيًا، وتراجع جودتها، تضطر المؤسسات إلى اللجوء إلى بدائل مرتفعة الكلفة، مثل المولدات الخاصة وشراء المياه عبر الصهاريج. وإذا ما أضيفت إلى ذلك الرسوم والضرائب التي يتحملها جزء كبير من القطاع الخاص، في ظل انتشار الاقتصاد الأسود والمحسوبيات، ترتفع الأكلاف التشغيلية بصورة أكبر، ما يدفع الشركات إلى زيادة أسعارها. ومع كل ارتفاع في الأسعار، يتراجع الاستهلاك المحلي وتضعف القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية في الأسواق الخارجية.
الخروج من هذه الدوامة نحو رحاب النمو الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر فتح القطاعات أمام المنافسة، بما يؤدي إلى خفض الأسعار وتحسين جودة الخدمات، إلى جانب إصلاح النظام الضريبي وجعله أكثر عدالة تجاه المستهلكين والمستثمرين. وفي هذه الحالة تحديدًا، يخرج الاقتصاد من دائرة المراوحة بين دورات النمو والانكماش إلى نمو حقيقي، يلمس المواطنون نتائجه في معيشتهم وحياتهم اليومية.
لعلَّ أكثر ما يلفت الانتباه في الاستبيان يتمثل في تحسن ثقة الشركات بالنشاط التجاري خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، وهو ما يدل على مرونة القطاع الخاص اللبناني وقدرته على النهوض سريعًا رغم ما يواجهه من مشاكل وصعوبات، والأهم من ذلك ثقته بلبنان واستمراره فيه رغم مختلف التحديات.
