سألتُ أحد أعضاء مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان السابقين عن الأوضاع المالية للمؤسسة في الفترة التي خدم فيها، وكيفية تطورها، فأتى الجواب سريعًا: “لا أعلم، ولا أحد يعلم”. سكت برهة، ثم عقّب: “هذا الموضوع من الخفايا. وباستثناء المدير العام، أشك في أن يكون أحدٌ يملك الجواب الشافي والحقيقي”.
توحي الأوراق الصادرة عن مؤسسة كهرباء لبنان، وآخرها خطة استرداد التكاليف، بأن المؤسسة تعمل وفقًا للمعادلة الحسابية الشفافة 1+1=2، فيما الواقع أن 1+1=11، نظرًا إلى المخالفات الجسام، والتركيبات التي تُفصَّل على قياس المستثمرين في تشغيل المعامل، ومزودي الخدمات، والموردين، ومستوردي الفيول، وموظفي اليد العاملة… وغيرهم الكثيرين ممن تُمنّيهم أنفسهم بالربح السريع.
تضخيم التكاليف
- حساب التكاليف في المؤسسة لا يخضع للمنطق الحسابي، إنما يأتي مضاعفًا ومتربلًا، وحتى، أحيانًا كثيرة، مضروبًا بـ11 مرة.
- تُلزَّم المعامل لشركات أجنبية تتقاضى بدلاتها بالعملة الصعبة، وأحيانًا كثيرة من دون أن يتم تشغيلها فعليًا. وتتحمل المؤسسة فاتورة المحروقات واستبدال قطع الغيار، وهي كلها عقود بالدولار.
- تُلزَّم الجباية لمقدمي الخدمات بتكلفة تفوق التكلفة العادلة بما بين 6 و12 ضعفًا. ومع هذا، يتجاوز الهدر غير الفني المرتبط بضعف التحصيل، وبطئه، وعدم القدرة على ضبط المخالفات والسرقات والتعديات على الشبكة، أكثر من 30%، من دون، طبعًا، تحديث الشبكات والعدادات وتأهيلها كما كانت تفترض العقود.
- تمت مضاعفة رواتب المستخدمين في مؤسسة كهرباء لبنان بشكل مخالف للقانون، فاعتُمد الحد الأدنى 28 مليون ليرة، على غرار المستخدمين في القطاع الخاص، فارتفعت تكلفة الرواتب بشكل كبير جدًا.
- تعمُّد استبدال المحولات النحاسية والكابلات بأخرى من حديد.
- إعارة فيول لكهرباء القاديشا من دون أن تسدد ثمنه أو ترده، ويشوب العلاقة المالية بين مؤسسة الكهرباء والقاديشا تعقيدات كثيرة.
الخداع في استرداد التكاليف
أمثلة سريعة تظهر حجم الهدر في التكاليف، وتقود إلى التأكيد أن، قبل إجراء محاسبة تكاليف مدققة وموثوقة ومبررة، ومقنعة، ولا سيما عند مقارنتها بالتكاليف في بلدان مشابهة، فإن كل حديث عن استرداد التكاليف هو خدعة، يقول مدير الاستثمار السابق في وزارة الطاقة ومنسق سياسات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، غسان بيضون.
المعادلة في الكهرباء، على بساطتها ووضوحها، والتي تقوم على أن التكاليف المضاعفة مرتين وثلاثًا تتطلب رفع الأسعار بنسب مماثلة، قد لا تكون مرئية للأغلبية، ليس نتيجة الجهل أو عدم الاهتمام، إنما ببساطة بسبب التعتيم عليها. فمن أجل ضمان تدفقات نقدية تغطي التكاليف المبالغ بها، يُحمَّل المواطن والخزينة أعباءً فوق طاقتهما، ما ينسحب حكمًا على القطاعات الإنتاجية وكلفة إنتاجها. والنتيجة فاتورة كهرباء تستنزف نحو 10% من متوسط الدخل لدى شريحة عريضة من المواطنين، ونحو 4% من الموازنة العامة. هذا والكهرباء تتأمن أربع ساعات، فكيف الحال مع كهرباء 24/24 بهذه التسعيرة الموضوعة لتغطي الأكلاف غير المبررة؟ الأرجح أن تقفز الكلفة على المواطن لتمتص أكثر من نصف دخله، ونحو ربع الموازنة العامة للبلاد. فأي عقلٍ يمكن أن يتقبل هذا الواقع؟
استرداد التكاليف والهدر على الشبكة
“رالي” استرداد التكاليف الذي تخوضه مؤسسة الكهرباء وهمي، حتى لو اقتصر على الكلام من دون تنفيذ. إذ كيف لمؤسسة أن تسترد تكاليف الإنتاج ونسبة الهدر التي تعترف أرقامها بأنها تصل إلى 40%؟ مع العلم أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى بكثير، وللتوصل إليه يكفي قياس أو مقارنة قيمة الفواتير الشهرية مع ما وُضع من إنتاج (يُقاس بالكيلوواط) على الشبكة. وبأقل التقديرات، يتجاوز الهدر الضعف، وهذا ما لا يمكن حسمه، لأن مؤسسة الكهرباء لا تُنجز هذه المقاربة، كما هو مفروض، كي لا تفضح نفسها، يقول أحد المعنيين في القطاع.
الإنتاج واسترداد التكاليف
أكثر من ذلك، فإن مؤسسة الكهرباء تتجاهل أبسط المبادئ الاقتصادية المتعلقة باسترداد التكلفة، من خلال الدفع لشركات خاصة من أجل حفظ معملين لا ينتجان أي كيلوواط. ففي حالة معملي الذوق والجية الجديدين، المعروفين بمعملي المحركات العكسية، يبرز أمران يناقضان الواقع ويجعلان من استرداد التكاليف نكتة.
- الأول، أن هذين المعملين، اللذين وُضعا موضع التشغيل في العام 2017، متوقفان، وبدلًا من أن تكون كلفتهما صفرًا، تدفع عليهما المؤسسة بدل حفظهما.
- الثاني، والأشد فداحة، تعمد مؤسسة الكهرباء عدم شراءي الفيول وتشغّيل هذه المعامل التي تنتج 276 ميغاواط.
أما بخصوص المعامل القديمة في الذوق والجية فقد تم إيقافها أيضا، إنما بسبب التلوث الكبير الذي تسببه. وهذا التلوث ناتج عن استخدام الغاز أويل، بحكم أن مردوده الحراري أعلى بكثير من الفيول، مع العلم أنه لا يتسبب فقط في تلف المجموعات سريعًا، والاضطرار إلى استبدال قطع الغيار بشكل دوري، إنما أيضًا في التسبب بالأمراض، وانتشار الدخان والسموم في أجواء المعامل وكل لبنان. هذه الخيارات التقنية تؤدي إلى هدر المال العام وزيادة الكلفة، وتُسترد من المشتركين.
التعتيم على النتائج المالية، وأقلّه تلك المحققة منذ رفع التعرفة، وغياب البيانات المحاسبية المدققة، وفقدان الشفافية، كلها عوامل تجعل من مؤسسة كهرباء لبنان مؤسسة مضخمة التكاليف. ومهما جرت محاولات زيادة الإيرادات، فهي لن تنفع، وستكون كمن يعبئ الماء بسلة قش، في حين أن أعباء المواطن والاقتصاد ستزداد.
