الـ ” حايك ” الذي أتقن فن حياكة أزمة الكهرباء

حايك

المتغيرات في “الكهرباء” كثيرة: وزراء طاقة متنوعو المشارب يأتون ويرحلون، صفقات فيول للمعامل، توظيفات وتعيينات، تعديل تعرفات، وتكرار الانقطاعات. ولو أردنا الاستمرار في التعداد، لانتهينا إلى مجلدات. لكن، وسط هذه التحولات الكثيرة، هناك ثابت واحد؛ ليس “فعل” الانقطاع الدائم للكهرباء، كما قد يتبادر سريعاً إلى الأذهان، بل “اسمٌ” هو كمال حايك، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان. وإذا صحّ تشبيه المتغيرات بالفروع، فإن الثوابت هي الجذور؛ غضّ القيمون الطرف عن “تعفّنها”، سهوًا أو عن قصد، وانشغلوا بمعالجة اصفرار الأوراق وتساقطها.

أتقن كمال حايك الطيران تحت “رادار” النقمة الشعبية والانتقادات السياسية والملاحقة القانونية في معظم الأحيان. ففي الوقت الذي كان جام الغضب والسخط يُصبّ على وزراء الطاقة، وهم ليسوا أبرياء، كان كمال يحيك الصفقات الصغيرة والكبيرة في قطاع الكهرباء بعيدًا من إثارة الضجيج. وبمقارنة بسيطة بين ما خرج إلى العلن، وفُتحت على أساسه ملفات وقضايا، أو حتى أُثير في مساءلات نيابية للحكومة، وبين واقع الكهرباء وما شهده القطاع خلال ولاية حايك الممتدة على مدى 24 عامًا، يتبيّن حجم الخلل الرقابي على المستويين الرسمي والشعبي.

تفريغ المؤسسة

أولى وأكبر الصفقات كانت تفريغ المؤسسة من كوادرها الإدارية وضرب هيكلها التنظيمي. وإن لم تؤمّن هذه الخطوات، المدروسة بعناية، منفعةً مادية مباشرة، فإنها كرّست موقع المدير العام بوصفه الآمر الناهي في المؤسسة، مع ضمان الحدّ من أي اعتراض داخلي. فجرى عرقلة تعيين مديري الفئة الثانية، وامتدت العرقلة أيضاً إلى وظائف الفئة الثالثة. واستُبدل رؤساء المصالح والدوائر والأقسام، في كثير من الأحيان، بموظفين مكلّفين بالوكالة، لا يملكون سوى تنفيذ أوامر المدير العام، بدلًا من مديرين أصيلين يتمتعون بحماية وظيفية ومادية ومعنوية. فالمدير العام لا يملك، قانونًا، إقالة المدير الأصيل من منصبه، إذ يخضع ذلك للأصول الإدارية والجهات المختصة. وبذلك، جرت الاستعاضة عن المديرين الأصيلين في الفئة الثانية بمديرين مكلّفين من موظفي الفئة الثالثة، مُنحوا بدلات مالية أعلى، لكن من دون صلاحيات فعلية. وانسحب الأمر نفسه على رؤساء الدوائر في الفئة الثالثة، إذ جرى تكليف موظفين من الفئة الرابعة بتولي مهامهم. وهو ما أتاح للمدير العام التحكم بقرارات مختلف مستويات الهرم الإداري، من أعلى مرتبة إلى أدناها، وضمان موافقتهم على ما يعتزم القيام به.

خلخلة الهرم الوظيفي

كان يُفترض بمجالس الإدارة المتعاقبة على مؤسسة كهرباء لبنان، سواء تلك الممدّد لها أو الأصيلة، برئاسة كمال حايك دائماً وأبداً منذ العام 2002، أن تضع نظاماً داخلياً للمؤسسة يحدد آليات الترفيعات والترقيات، وهو ما لم يحصل. فاستُبدل النظام الداخلي، بحسب منتقدين، بمنطق كسب ودّ المدير العام؛ فمن يحظى برضاه يترقّى ويصبح تحت جناحه، ومن يعارضه يُبعَد بين أكوام المعاملات في المكاتب. فلم يعد هناك أي رئيس مصلحة أصيل، وحتى رؤساء الدوائر، الذين يُفترض أن يكونوا من الفئة الثالثة، يُستعاض عنهم بموظفين من الفئة الرابعة مكلّفين بالوكالة. وإضافةً إلى طاعة الرؤساء بالوكالة لمن رقّاهم، فإن معارضة ما لا يوافق عليه المدير العام، أو الامتناع عن السير به، قد تعرّض الموظف للإحالة إلى التفتيش أو التأديب. وهكذا يبقى الموظف مطواعاً من جهة، وخائفاً من العقاب من جهة أخرى.

بهذه الطريقة، أحكم حايك قبضته على مؤسسة الكهرباء منذ سنوات؛ وساعده على ذلك، بحسب عارفيه، شخصيته الزئبقية، إذ يتكيّف سريعاً مع تبدّل وزراء الطاقة، فيساير مصالحهم ويستمر في إدارة مصلحته.

رغم كل الإشكالات التي رافقت ملف الكهرباء، بدءاً من صفقات الفيول المغشوش، وتعطّل المعامل، مروراً بصناديق جباية المتأخرات ونظام الفوترة وعدم الانضباط الوظيفي، وصولًا إلى سرقة كابلات النحاس من الأعمدة والمستودعات، لم يُسأل أي موظف بشكل جدي أو يُحاسب بصورة فعلية.

التغاضي عن الأخطاء

تفيد المعطيات بأنه منذ تولّي حايك المسؤولية، لم تُجرَ سوى جردتين لصندوقَي جباية المتأخرات. وقد حصلت الجردتان قبل العام 2012، أي منذ نحو 14 عامًا، رغم تبدّل الأمناء عليهما، سواء بسبب الإحالة إلى التقاعد أو التغيير الوظيفي. وكانت الحجة سابقاً عدم توافر ورديات للعمل الإضافي، فيما أصبح السبب اليوم نقص الموظفين. وعلى هذا الأساس، تستمر عملية قبض المتأخرات بمئات الملايين من الليرات من دون رقابة فعلية أو تدقيق محاسبي كافٍ.

الأمر نفسه ينسحب على كابلات النحاس؛ إذ نتيجة عدم إجراء جردة للمستودعات منذ العام 2014، تبيّن أخيرًا فقدان نحو 800 طن من الكابلات من المخزن المركزي، تُقدّر قيمتها بأكثر من 9 ملايين دولار وفق أسعار اليوم. وقد أثارت القضية ضجة واسعة، قبل أن تهدأ أخيرًا مع إبقاء مدير عام المؤسسة كمال حايك رهن التحقيق، وسط مطالبات بإجراء جردات رسمية وشاملة للمستودعات لتحديد كامل المسؤوليات.

من دون العودة إلى تكرار ما أوردناه في مقالات سابقة، حول قضايا تتعلق بـ تربية الدجاج في مستودعات المؤسسة، وحيازة أحد الموظفين المسؤولين عن الشراء عشرات الأختام العائدة لمؤسسات مختلفة لاستخدامها في تقديم المناقصات وإرسائها وفق المحسوبيات، إضافة إلى طباعة الفواتير على بياض، لم يُحاسب أي موظف بصورة جدية. وهذه حقيقة وليست خيال.

التصدي للإصلاح

أحدث الصفقات ستكون إعادة تأهيل مبنى المؤسسة المركزي الذي تضرّر من تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020. لكن، بعد ماذا؟ ست سنوات بالتمام والكمال قضاها المدير العام والموظفون في حاويات (كونتينرات) عند مدخل المؤسسة، رغم توافر التمويل، من دون إبرام العقود اللازمة. أما المديريات، فتوزّعت كل واحدة منها في اتجاه، فيما بلغت بدلات إيجار المكاتب طوال هذه السنوات مبالغ كان يمكن أن تكفي لصيانة المبنى وإعادة الموظفين إليه.

لكل هذه الأسباب، لا يعود التصدي للإصلاح في الكهرباء مستغرباً. ففي الوقت الذي عيّن فيه مجلس الوزراء مجلس إدارة جديدًا لمؤسسة كهرباء لبنان (مؤلفاً من ستة أعضاء، إضافة إلى المدير العام الذي يُفترض تعيينه بآلية مختلفة في مجلس الوزراء)، بالتزامن مع بدء العمل الجدي على إعادة هيكلة المؤسسة وفقًا للقانون 462، تجري محاولات حثيثة لعرقلة هذا المسار.

تعيين مديراً عاما جديداً

وسط هذه العتمة، برز خبر مضيء، مفاده أن تغييرًا وشيكًا قد يطال رئاسة مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، بحسب ما نُقل عن مصدر وزاري، مؤكدًا أن هذا التغيير سيحصل خلال الأيام القليلة المقبلة، وأن كمال حايك لن يستمر في رئاسة المجلس، في إطار توجه نحو تجديد الإدارة.

خبر من الصعب “بلعه” لدى الحاشية القديمة في الكهرباء، حتى ولو كان تضليلاً. فمجرد تصاعد دخان هكذا تصريح صادر عن وزير يعني اشتعال النيران على أعلى المستويات. ولإطفائها والعودة سريعاً إلى رماد الوضع القائم، لا يبقى سوى افتعال الخلافات مع مجلس الإدارة الجديد ودفعه إلى الاعتكاف أو الاستقالة. وبينما تتم إعادة التعيين، تكسب الإدارة القديمة المزيد من الوقت، وقد يكون هذا الوقت بالسنوات. فبحسب المعلومات التي نشرتها صحيفة “الأخبار”، وجّه المراقب المالي في مؤسسة كهرباء لبنان كتاباً إلى وزير الطاقة ورئيس مجلس الإدارة، اتّهم فيه عدداً من أعضاء المجلس بعرقلة عمل الرقابة المالية والحدّ من صلاحياتها، معتبراً أن بعض الممارسات تتعارض مع الأنظمة والقوانين النافذة. وأثار الكتاب ملاحظات تتعلق بآليات اتخاذ القرارات، والتواصل مع البنك الدولي والاستشاريين، وإدارة اجتماعات مجلس الإدارة، إضافة إلى مسائل مرتبطة باستقلالية الرقابة المالية وآليات التدقيق داخل المؤسسة. وخلص إلى المطالبة بوقف عدد من الإجراءات وسحب بعض المستندات المقدمة إلى البنك الدولي، إلى حين معالجة الإشكالات القانونية والإدارية التي أثارها.

هل اقتربت النهاية؟

خلافاً للاستنتاج السريع بأن هذا الكتاب يعكس وجود خلافات كبيرة وجوهرية داخل مؤسسة كهرباء لبنان، يمكن قراءته بوصفه مؤشراً على استمرار الصراع حول آليات الإصلاح في الأمتار الأخيرة قبل الوصول إلى خط النهاية المأمول. فكتاب المراقب المالي، بحسب مصادر مطّلعة، ينسجم مع توجهات المدير العام، فيما يرى منتقدون أنه قد يندرج ضمن محاولات إبقاء الوضع القائم على حاله، وعدم وضع نظام داخلي للمؤسسة يؤسس للحوكمة والشفافية، انطلاقًا من مجلس إدارة مستقل، وصولًا إلى الإصلاح المنشود.

ما يجري الاعتراض عليه اليوم في ملف الكهرباء ليس مجرد خلاف إداري، بل يتعلق بآليات الرقابة المالية والحوكمة وتوزيع الصلاحيات، وهي من أبرز الركائز التي يُفترض أن يقوم عليها أي مسار إصلاحي داخل المؤسسة.