وقوع لبنان في العتمة الشاملة (Nationwide Blackout) أكثر من 3 مرات منذ عام 2021 لم يكن وليد اللحظة، أو “ابن ساعته” كما يقال في اللغة المحكية، بل كان نتيجة تراكمات امتدت لسنوات من سوء الإدارة وسوء الحوكمة في مؤسسة كهرباء لبنان.
إن كان الإهمال، المتقاطع مع الفساد، قد أدى إلى شلّ معامل الإنتاج وتحويل معظمها إلى ما يشبه الخردة، فإن التغاضي عن معالجة المشكلات، وإهمال أدقّ تفاصيل الإدارة، وغياب الحكومات الفاعلة في مراحل عديدة، وانعدام الشفافية، وسيطرة المحسوبيات، كلها عوامل نخرت المؤسسة من الداخل وفتّتت بنيتها الإدارية والتنظيمية. ولم يبقَ منها سوى هيكل متصدع حافظ على شكله الخارجي، فيما كانت مقوماته الداخلية تتآكل تدريجياً حتى فقدت المؤسسة قدرتها على أداء دورها الطبيعي.
المشكلة بدأت مع تعيين شخصية على رأس المؤسسة بعيدة عن عالم الكهرباء، ولو أنها مارست العمل الإداري سابقاً. فرئيس مجلس الإدارة كمال حايك، الذي عُيّن في العام 2002، أتى من خلفية الهندسة المدنية والبيئية، وهو يحمل شهادة بكالوريوس في هذا الاختصاص تحديداً.
تخطي هذا التفصيل، وهو أمر ليس غريباً في الإدارة اللبنانية، على أساس أن المعين يمتلك خبرة إدارية سابقة، يقودنا إلى الخطيئة الأكبر، وهي إهمال وضع النظام الداخلي للمؤسسة حتى تاريخه، وهو النظام الذي على أساسه تُحدَّد مسارات الترقية والترفيع وآليات التطور الوظيفي. وقد أدى هذا الإهمال إلى شغور العديد من المراكز الأساسية داخل الإدارة. فلا يوجد في مؤسسة كهرباء لبنان موظف أصيل من الفئة الثانية، كما لا يوجد، حتى تاريخه، رؤساء مصالح أصيلون من الفئة الثالثة.
يعود هذا الواقع إلى عاملين أساسيين:
- إحكام السيطرة على الموظفين وإبقاؤهم في حالة من التبعية الإدارية، بحيث يصبح الحفاظ على مكتسباتهم الوظيفية أو الخوف من خسارتها، نتيجة عدم تثبيتهم في مراكزهم، عاملاً يدفعهم إلى الامتثال للقرارات حتى عندما تكون موضع اعتراض أو مخالفة للأصول.
- منع وصول أصحاب الكفاءة أو من قد يعترضون على بعض التوجهات الإدارية، من خلال إبقاء الترفيعات والتعيينات أداةً قابلة للاستخدام ضمن إطار المحسوبيات، بدلاً من اعتماد معايير واضحة تقوم على الكفاءة والاستحقاق. والدليل على ذلك، ابقاء مديرا على رأس مديرية من خارج “العرف الطائفي” الذي تقسم على أساسه المديريات فقط لأنه محسوبا عليه.
غياب المساءلة والمحاسبة
التحجّج بأوضاع الإدارة العامة ككل، وعدم فتح باب التوظيف، والسعي إلى خفض التكاليف لتبرير غياب الانتظام الوظيفي في مؤسسة كهرباء لبنان، قد يكون أمراً يمكن تفهّمه إلى حدّ ما. لكن ماذا عن محاسبة الموظفين المرتكبين والمقصّرين والمخالفين، أو الذين تحوم حولهم شبهات هدر للمال العام؟ فهل يُعقل ألّا تتم إحالة أي موظفين إلى المجلس التأديبي، رغم حجم الخسائر التي تكبّدها قطاع الكهرباء، والتي قُدّرت بنحو 40 مليار دولار، ورغم الانهيار شبه الكامل في التغذية الكهربائية الذي عاشه اللبنانيون؟
انتظام المؤسسة لا يُقاس فقط بوجود هيكلية إدارية أو بتعيين الموظفين في مراكزهم، بل يُقاس أيضاً بقدرتها على تطبيق قواعد المساءلة والمحاسبة، لأن غياب المحاسبة يحوّل أي إصلاح إداري إلى مجرد إجراءات شكلية لا تمسّ جوهر المشكلة.
جردة الصناديق المالية
منذ العام 2002 ولغاية تاريخه، لم تُجرَ جردة حساب منتظمة لصناديق المؤسسة المالية إلا بعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. وتفيد المعلومات بأن عمليات الجرد لم تُنجز سوى مرة أو مرتين فقط حتى العام 2012، قبل أن تتوقف بعدها بشكل شبه كامل، تحت ذريعة عدم توافر بدلات الساعات الإضافية، وعدم وجود عدد كافٍ من الموظفين للقيام بهذه المهمة.
ومن بين هذه الصناديق، يبرز صندوق جباية متأخرات بيروت، الذي تُسدَّد فيه الفواتير المتأخرة، والذي لم تُجرَ له أي عملية جرد رسمية منذ العام 2008، رغم تبدّل عدد كبير من المسؤولين عن إدارته خلال هذه الفترة.
فهل يُعقل ألّا تكون هناك فاتورة مفقودة، أو إيصال ضائع، أو أي فرق يحتاج إلى تدقيق طوال هذه السنوات؟ وهل يُفترض أن هذا الصندوق يعمل بدقة متناهية، مثل الساعة؟
فوضى المخازن.. الوجه الآخر لغياب الرقابة
ما يحصل في الصناديق المالية ينسحب أيضاً على المستودعات. فنتيجة الإهمال وغياب جردة الحساب السنوية، أقله منذ العام 2014، استفاقت المؤسسة على فقدان نحو 850 طناً من كابلات النحاس من المخزن المركزي، بقيمة تُقدّر بحوالى 10 ملايين دولار، إذا احتُسب سعر الطن بنحو 11 ألف دولار. وبدل فتح تحقيق شامل يبدأ من أصغر موظف وصولاً إلى أعلى الهرم الإداري، وتحديد المسؤوليات وفق التسلسل الوظيفي، انحصر المسار باتجاه تحميل المسؤولية للمديرة المالية التي كانت مكلّفة حديثاً بالمهام.
تتداول أوساط داخل مؤسسة كهرباء لبنان رواية مفادها أن تحريك هذا الملف تزامن مع مواقف اتخذتها المديرة، من بينها تقديم كتابين: الأول يتعلق بحجز جزء من أموال الجباية الموجودة لدى مصرف لبنان لتأمين مستحقات الموظفين، بدلاً من تحويلها إلى مقدمي الخدمات، والثاني يتصل برفضها تسديد مستحقات الباخرة المتوقفة في البحر. ووفق هذه الرواية، فإن ظهور ملف النحاس شكّل لاحقاً سبباً لإبعادها عن موقعها.
بغض النظر عن حقيقة ما جرى ومسار التحقيقات، فإن الواقعة بحد ذاتها تطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كان من مستودع واحد، وبعنصر واحد فقط، تبيّن فقدان مئات الأطنان من النحاس بقيمة مالية كبيرة، فماذا عن بقية المستودعات والعناصر الموجودة فيها؟ لا أحد يملك إجابة واضحة، ببساطة لأن نظام الجرد والرقابة لم يكن قائماً بالفعالية المطلوبة.
قنّ دجاج وطباعة فواتير على بياض
أكثر من ذلك، فإن واقعة اكتشاف تحويل أحد أقسام المؤسسة إلى مكان لتربية الصيصان مرّت من دون محاسبة أو إجراءات رادعة. وإذا كانت هذه الواقعة يمكن وصفها بـ”الكذبة البيضاء” لما تحمله من عبث وإهمال، فإن “الكذبة السوداء” تمثلت في واقعة أخطر، حين تبيّن، وفق ما تردد داخل المؤسسة، أن أحد الموظفين كان يحمل 12 ختماً تعود لمؤسسات تبيع قطع سيارات، ويشارك في تقديم عروض أسعار للشراء، ثم يختمها ويحدد الفائز بالمناقصات. ومع ذلك، مرّ الأمر من دون محاسبة، وانتهى بخروجه إلى التقاعد مكرّماً.
لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل وصلت إلى ملف طباعة الفواتير على بياض والتلاعب بها. فبعد تعطل، أو تعطيل، آلات إصدار الفواتير الحرارية (Thermal Paper Roll)، وهي اللفائف الورقية المستخدمة عادة في طباعة الإيصالات، لجأت المؤسسة إلى اعتماد طباعة الفواتير على أوراق A4.
وبالإضافة إلى الكلفة الأعلى لهذا الأسلوب، ظهرت إشكالات تقنية ورقابية، أبرزها وجود نسخ مفردة ومزدوجة من الأوراق، ما يفتح الباب أمام احتمالات التلاعب، ولا سيما عندما تخرج بعض الأوراق غير مكتملة أو بيضاء، بما يسمح بإعادة تعبئتها أو طباعتها لاحقاً.
هذه الوقائع لم تُترجم يومًا إلى إجراءات جدية كاملة من المحاسبة والمساءلة. فهل يمكن لمؤسسة تعاني من هذا المستوى من الخلل الإداري، ومن ضعف المساءلة، ومن غياب المحاسبة الفعلية، أن تكون قادرة، بمجلس إدارتها الحالي وآليات عملها القائمة، على تأمين الكهرباء لبلد بأكمله؟
أزمة الكهرباء ليست فقط أزمة معامل أو تمويل أو وقود، بل هي أيضاً أزمة إدارة وحوكمة ورقابة. فالمؤسسة التي لا تستطيع ضبط مواردها ومحاسبة المخالفين، لا يمكن أن تستعيد ثقة المواطنين وتبني قطاع كهربائي مستدام.
