“كوة” في ظلمة الكهرباء: خطة جديدة لـ الحوكمة أبصرت النور.. أخيراً

الحوكمة

خلافاً لمجالس الإدارة السابقة في مؤسسة كهرباء لبنان، التي عمل بعضها تحت شعار “سمعاً وطاعة”، فيما رفض بعضها الآخر واستقال، ويئست الأكثريّة وأصابها الإحباط، استطاع المجلس الجديد تحقيق خرق جديّ في ملف إصلاح القطاع. للمرة الأولى منذ عقود، تمكن مجلس الإدارة من انتزاع الموافقة على خطة حوكمة للمؤسسة. وعلى الرغم من محاولات العرقلة العديدة، والتذرع بتعدّي مجلس الإدارة على صلاحيات المراقب المالي وتجاوز آليات التدقيق داخل المؤسسة، وُلدت “خطة عمل الحوكمة المؤسسية” (C-GAP).

في أوائل شتاء 2026، دخل ستة أعضاء جدد إلى مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، ليجدوا أنفسهم في “كهف” الكهرباء. برودة الداخل كانت أعتى من صقيع الخارج. كان مجلس الإدارة يفتقد إلى الحوكمة الرشيدة. فالأدوار والمسؤوليات بين أعضائه متداخلة وغير واضحة، واللجان غائبة، وآليات اتخاذ القرار ضعيفة، فيما يغيب الفصل بين الإدارة والرقابة عليها. فوضى المسؤوليات التي واجهها الأعضاء في رأس الهرم التقريري، قابلها غياب الوضوح والشفافية في تنفيذ المشاريع، والرقابة على المتعهدين والمنفذين. ولم تقتصر المشكلات على ذلك، بل امتدت إلى ضعف التدقيق الداخلي وأنظمة الرقابة الداخلية. باختصار، كان الجمود يلف المستويات التقريرية والتنفيذية والرقابية والعقابية كافة، فيدور القطاع في حلقة مفرغة من المشكلات، والهدر المستمر للمال العام، وغياب الكهرباء.

“مشوار” الخطة لم يكن سهلاً

بعد فهم “التركيبة” المعمول بها منذ سنوات طويلة، وإجراء لقاءات عديدة مع مسؤولين حاليين وسابقين في القطاع، حصل مجلس الإدارة على موافقة سلطة الوصاية للانطلاق في وضع خطة حوكمة رشيدة. فوجود مثل هذه الخطة لا يُعدّ أساسياً لانتشال المؤسسة من كبوتها وتهيئتها للدور المستقبلي المنصوص عليه في القانون 462 فحسب، بل يشكّل أيضاً شرطاً أساسياً من شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتقديم الدعم، ومساندة التحول المؤسساتي، وتعزيز الخدمات المقدّمة للمواطنين.

“مشوار” وضع خطة الحوكمة، الذي بدأ بعد نحو شهرين من استلام مجلس الإدارة مهامه، لم يكن معبّداً بالورد، بل كان محفوفاً بالعراقيل. فقد وجّه المراقب المالي كتاباً إلى وزير الطاقة، اتهم فيه من يعمل على إعداد الخطة من مجلس الإدارة بعرقلة عمل الرقابة المالية والحدّ من صلاحياتها، معتبراً أن بعض الممارسات تتعارض مع الأنظمة والقوانين النافذة. وأثار الكتاب “الواجهة”، بحسب ما نقلت صحيفة “الأخبار”، ملاحظات تتعلق بآليات اتخاذ القرارات، والتواصل مع البنك الدولي والاستشاريين، وإدارة اجتماعات مجلس الإدارة، إضافة إلى مسائل مرتبطة باستقلالية الرقابة المالية وآليات التدقيق داخل المؤسسة. كما خلص إلى المطالبة بوقف عدد من الإجراءات وسحب بعض المستندات المقدّمة إلى البنك الدولي، إلى حين معالجة الإشكالات القانونية والإدارية التي أثارها.

الصدمة الثانية

شكّل ذلك الصدمة الثانية لمعتزمي التغيير والإصلاح؛ صدمة كانت كفيلة بثنيهم عن المضي في المهمة، لولا إصرارهم على الاستمرار. وبناءً عليه، جرى تحديد ثلاث جبهات للإصلاح يتطلب العمل عليها بالتوازي:

  • التعزيز المؤسسي: ويشمل قدرات الحوكمة، والضبط الداخلي، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي.
  • الحوكمة المالية: وتتعلق بالانضباط المالي، وخفض الخسائر، وإدارة الفوترة، وتعزيز الشفافية المالية.
  • التميّز التشغيلي: ويرتبط بجودة الخدمة وموثوقيتها وكفاءتها وأداء الشبكة.

كما وُضعت ست ركائز للحوكمة، بحيث تتضمن كل ركيزة أهدافًا محددة ومؤشرات أداء لقياس مستوى الإنجاز، وهي:

– حوكمة مجلس الإدارة وفعاليته: وتتضمن بصورة أساسية الفصل الرسمي بين وظيفتي الحوكمة والإدارة التنفيذية، والفصل بين منصبي رئيس مجلس الإدارة والمدير العام.

–  الحوكمة الداخلية والتدقيق وإدارة المخاطر والامتثال والنزاهة: إذ يؤدي غياب هذه المنظومة إلى تراجع القدرة على تحديد المخاطر الحوكمية والتشغيلية والمالية، ورفع مخاطر الفساد وصعوبة رصدها والحدّ منها. وتتطلب هذه الركيزة تعزيز حوكمة الامتثال والأخلاقيات والنزاهة عبر نظام رسمي لإدارة الامتثال، ووضع إطار لمعالجة تضارب المصالح، وسياسة للضيافة والهدايا، وآلية للإبلاغ عن المخالفات، بما يتواءم مع قانون مكافحة الفساد الرقم 175.

– حوكمة المشاريع والإشراف عليها: وتتضمن تعزيز الإشراف على المشاريع والتأكد من حسن إدارتها، من خلال مكتب إدارة المشاريع، وإشراف مهندسي الملكية والاستشاريين، وإدارة المشاريع والتقارير المتكاملة، وإشراف مجلس الإدارة على المشاريع الاستراتيجية.

– الحوكمة التشغيلية ومساءلة الأداء: إذ يؤدي غيابها إلى تراجع الأداء التشغيلي، وضعف المساءلة، وزيادة مخاطر التنفيذ الناتجة عن نقص القدرات التنظيمية. وتتطلب تنفيذ برنامج لخفض الهدر غير التقني، ووضع إطار لتأكيد الإيرادات، وحوكمة العدادات الذكية، خصوصاً في ظل وجود أكثر من 50 ألف مشترك من دون عدادات، وتجاوز نسبة الهدر 40%. كما تشمل وضع تقارير أداء تشغيلية وتنفيذ برنامج تعافٍ بشري.

– الحوكمة المالية والشفافية والاستدامة: وتتمثل المخاطر في استمرار الهشاشة المالية وتراجع ثقة أصحاب المصلحة. وتتطلب تطبيق تقارير مالية متوافقة مع المعايير الدولية، ووضع موازنات سنوية مدققة، وإنجاز قطع الحساب وإقرار الموازنات عن السنوات الماضية.

– القدرة التنظيمية والتحول الرقمي: إذ يهدد غيابها تنفيذ الإصلاح، ويؤدي إلى تبعية المؤسسة وضعف استدامتها. وتتطلب إدارة الوثائق الرقمية، وتخطيط استمرارية الأعمال، وحوكمة الأمن السيبراني، وأنظمة معلومات إدارية متكاملة.

محاولات التصدي للخطة

كان من الطبيعي أن تواجه مثل هذه الطروحات الرفض. فمن اعتاد لعشرات السنوات على العمل منفرداً من دون رقابة ومساءلة ومحاسبة، سيرفض حتماً كل إجراءات الحوكمة الرشيدة الواردة في الخطة. وإن أردنا التلخيص، فإن الحوكمة تقتضي وضع استراتيجية عامة يجب الالتزام بها، ونظام مراقبة صارم على كافة المستويات الإدارية والتنفيذية، بناءً على مؤشرات أداء قابلة للتدقيق والقياس، ومساءلة دورية، ومعاقبة في حال عدم التنفيذ والتطبيق. وهذه الخطوات لا تصب في مصلحة الكثيرين من التنفيذيين والعاملين والمتعهدين في مؤسسة كهرباء لبنان.

بعد أن تبيّن أن العمل جارٍ بوتيرة جدية على الخطة، بعيداً عن الحسابات المحلية، وبالتنسيق مع البنك الدولي، جرت محاولات للتصدي لها واعتبارها تعدياً على الصلاحيات وتجاوزاً للقوانين. وذلك على الرغم من معرفة الجميع أن البنك الدولي حدّد متطلبات مالية واضحة للحصول على الدعم، ولتحفيز القطاع الخاص على الدخول إلى قطاع الطاقة والاستثمار في لبنان. ومن أبرز هذه المتطلبات تأمين الشفافية المالية، والتدقيق المحاسبي، ووجود موازنات وقطع حساب، بالتوازي مع خطة الحوكمة.

رغم كل شيء، أُنجزت خطة الحوكمة وأُقرت خلال ثلاثة أشهر فقط من تعيين مجلس الإدارة الجديد، بما يعكس التزام المجلس بإطلاق مسار إصلاحي مؤسسي متكامل وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية.

أهمية الخطة أنها لا تُعتبر فقط ركيزةً أساسيةً لتحقيق الاستدامة المالية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة، إنما شرطا أساسيا لتطبيق القانون 462 واعادة هيكلة المؤسسة من خلال فصل الانتاج عن النقل والتوزيع وحويلها إلى شركة. وقد أكد مجلس الإدارة في بيان له أن “إقرار هذه الخطة يمثل الأساس المؤسسي لعملية إصلاح مؤسسة كهرباء لبنان، ويجسّد التزامه ببناء مؤسسة أكثر كفاءة وشفافية ومساءلة، بما يسهم في تحسين جودة خدمات الكهرباء، وتعزيز الاستدامة المالية، واستعادة ثقة المواطنين، ودعم ثقة الدولة وشركاء التنمية والمستثمرين بقطاع الكهرباء في لبنان. كما يؤكد المجلس التزامه بمتابعة تنفيذ الخطة وفق برنامج زمني محدد، مع اعتماد آليات دورية لقياس الأداء، ومتابعة التنفيذ، والإفصاح عن التقدم المحقق، بما يضمن تحقيق أهداف الخطة وتحويلها إلى نتائج مؤسسية مستدامة”.

لن تتأمّن الكهرباء 24/24 مع إقرار خطة الحوكمة، ولن تتراجع التعرفة، إنما الأكيد أنها فتحت كوةً في جدار الفساد “المسلّح”، وسمحت بدخول شروط العمل الإداري السليم، ومكافحة الهدر والفساد، والتصدي للمحسوبيات. غير أن تتويجها بالنجاح يتطلب مواكبتها سريعاً من مجلس الوزراء، عبر تعيين مدير عام جديد لمؤسسة كهرباء لبنان، للتخلص من تركة المرحلة السابقة الثقيلة، والعمل وفق قواعد جديدة وسليمة.