تشكل ضريبة القيمة المضافة ( TVA ) المصدر الأهم للإيرادات العامة. ويُعوَّل عليها وحدها لتأمين 3.6 مليار دولار في موازنة 2027، تمثل 52.3% من مجمل الإيرادات المقدَّرة بنحو 6.9 مليار دولار. وتبرز أهميتها عند مقارنتها ببقية الضرائب المباشرة وغير المباشرة، إذ تستحوذ هذه الضريبة على 60.1% من إجمالي الإيرادات الضريبية.
يعود تاريخ استحداث ضريبة القيمة المضافة إلى مطلع الألفية الثانية، وقد أتت ضمن التعهدات الإصلاحية التي التزمت بها الحكومة اللبنانية في مؤتمر باريس 1. فأُقرَّ بتاريخ 14 كانون الأول 2001 القانون رقم 379، وبدأ تطبيق الضريبة فعلياً في الأول من شباط 2002. وكان معدلها عند إطلاقها 10%.
أسباب TVA الموجبة
وجاء في الأسباب الموجبة المرفقة بمشروع القانون آنذاك أن إقرار هذا المشروع “من شأنه أن يساعد وزارة المالية في تحسين أوضاعها الإدارية من حيث الرقابة وقمع المخالفات والتهرب من الضريبة وتأمين مدخول مستقر للخزينة”. ومن جهة أخرى، يشكل هذا القانون خطوة مهمة في تحضير لبنان واقتصاده للدخول في النظام الاقتصادي العالمي.
كيفية توزّعها
بصفتها ضريبةً على الاستهلاك يتحملها المستهلك النهائي، تطرح ضريبة القيمة المضافة إشكاليتين أساسيتين: هل تحقق العدالة الضريبية؟ وهل هي تنازلية أم تصاعدية؟
بشكل عام، يُفترض أن تكون هذه الضريبة، وخصوصاً في لبنان، تصاعدية، وعليه فإنها تسهم تلقائياً في تحقيق العدالة الضريبية. فوفقاً لوثيقة “مشروع موازنة الحكومة اللبنانية لعام 2027: الأرقام والتدابير الرئيسية” الصادرة عن “ليبانون أبورتيونيتي – LO”، يتبين أن العبء الضريبي الفعلي يتراوح بين 5% للأسر الأكثر فقراً و9% للأغنى. ويحدث ذلك لأن الأسر ذات الدخل المنخفض تنفق 62% من ميزانيتها على المواد الغذائية الأساسية والخدمات المعفاة من ضريبة القيمة المضافة، في حين تخصص المجموعات ذات الدخل الأعلى نسبة أكبر من إنفاقها للسلع والخدمات الخاضعة للضريبة بالكامل.
حتى ضمن فئات الإنفاق ذاتها، تختلف خيارات الإنفاق، إذ تميل الأسر ذات الدخل المرتفع إلى شراء سلع أغلى ثمناً وتخضع بالكامل للضريبة، مثل الأجبان المستوردة وغيرها من المنتجات المصنَّعة، في حين تعتمد الأسر ذات الدخل المنخفض غالباً على سلع أساسية محلية أقل تكلفة ومعفاة في معظمها من الضريبة. وبعد تقييم العوامل المتعلقة بانعكاس أثر الإعفاء الضريبي، خلصت دراسة “LO” إلى أن معدل ضريبة القيمة المضافة الفعلي على المواد الغذائية يبلغ 1.1% للأسر ذات الدخل الأدنى، مقارنةً بـ6.5% للأسر ذات الدخل الأعلى.
وبحسب الدراسة، كان من المثير للاهتمام أن الأسر الأشد فقراً تنفق كامل دخلها تقريباً على الاستهلاك، في حين تخصص الأسر الأعلى دخلاً نحو 70% فقط للاستهلاك، وتوجه الباقي نحو الادخار والاستثمار. ونظراً إلى أن ضريبة القيمة المضافة تُفرض حصراً على الاستهلاك، فإن الأسر التي تدخر جزءاً أكبر من دخلها تتحمل عبئاً ضريبياً، كنسبة من إجمالي الدخل، أقل مقارنةً بغيرها. ورغم أن هذه الآلية تؤدي إلى تقليص الفجوة في معدلات ضريبة القيمة المضافة الفعلية بين الشريحة الأشد فقراً (4.82%) والشريحة الأغنى (6.36%)، فإن الشريحة الأعلى دخلاً تظل تساهم بنسبة تزيد بنحو 32% من دخلها في ضريبة القيمة المضافة إجمالاً.
الضريبة قد تكون تنازلية
هل تُعد ضريبة القيمة المضافة في لبنان ضريبةً تصاعدية أم تنازلية؟ في حين تدفع الأسر ذات الدخل الأدنى ما معدله 20.80 دولاراً شهرياً كضريبة قيمة مضافة، تدفع الأسر ذات الدخل الأعلى ما معدله 351.78 دولاراً شهرياً، بحسب الدراسة؛ أي بفارق يصل إلى 18 ضعفاً. ويُظهر ذلك أن ضريبة القيمة المضافة تعمل كضريبة تصاعدية أكثر من كونها ضريبةً تنازلية أو نسبية.
لكن النقطة الإشكالية تكمن في أن الأغنياء يدفعون مبلغاً أكبر من المال، إلا أن الضريبة تمثل نسبة أقل من مداخيلهم مقارنةً بالفقراء.
وعليه، فإن الاعتراض الأساسي هو أن ضريبة القيمة المضافة قد تكون تنازلية (Regressive). وللتوضيح، إذا فرضنا ضريبة قيمة مضافة بنسبة 10% على شخصين، الأول دخله 1000 دولار وينفق منه 900 دولار، والآخر دخله 10,000 دولار وينفق منه 5000 دولار، فإن الأول يدفع 90 دولاراً، تساوي 9% من دخله، فيما يدفع الثاني 500 دولار، أي ما يعادل 5% من دخله.
ولهذا، يعتقد صندوق النقد الدولي صراحةً أن ضرائب الاستهلاك ليست أداةً جيدة بحد ذاتها لإعادة توزيع الدخل من الأغنياء إلى الفقراء، وأن ضريبة الدخل الشخصي أكثر ملاءمةً لتحقيق هذا الهدف.
أكثر من ذلك، فإن الإيرادات من ضريبة القيمة المضافة تبلغ في لبنان ضعفي المتوسط العالمي أو أكثر بمرتين. ففي حين تصل إيرادات TVA إلى نحو 60% من مجمل الإيرادات الضريبية، لا تتجاوز هذه النسبة في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، التي تضم 38 دولة، 21% من إجمالي الإيرادات الضريبية.
عدالة الضريبة
إن الاعتماد الكبير على ضريبة القيمة المضافة، وتشكيلها 60% من مجمل الإيرادات، يجعلان منها في لبنان ضريبةً غير عادلة. ومما يزيد من مخاطرها قرار رفعها إلى 12% في شباط 2026 لتمويل الزيادات على سلسلة الرتب والرواتب. وعلى الرغم من أن نسبة الرفع ستكون 1%، من 11 إلى 12 في المئة، فإنه يُقدَّر على نطاق واسع أنها ستصحب بارتفاع في الأسعار بنسبة أعلى بكثير، ما يعني المزيد من التضخم وتآكل القدرة الشرائية للمستهلكين. وستؤدي بالتالي إلى الحد من الإنفاق على السلع والخدمات غير الأساسية، مما يحد أيضاً، في المقابل، من جاذبية الاستثمارات ويقلص النمو الاقتصادي.
القرار برفع ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1%، من 11 إلى 12%، ليس جديداً. فقد سبق للحكومة اللبنانية أن تعهدت في مؤتمر باريس 3 عام 2007 برفعها تدريجياً إلى 12% في 2008، ثم إلى 15% لاحقاً، لكن هذه الزيادة لم تُنفَّذ في حينه. وبقي المعدل عند 10% إلى أن رُفع فعلياً إلى 11% في 2018.
واليوم، ومع ازدياد المتطلبات المالية والحاجة إلى إيرادات جديدة، فإن رفعها إلى 12% ومن ثم إلى 15% سيكون حتمياً. إلا أن التداعيات ستكون أكبر، ليس لكونها تضعف القدرة التنافسية للمواطنين فحسب، وإنما لكونها ستصب في جيوب الموظفين وتعزز تضخم القطاع العام.
