رفع الرواتب قبل هيكلة القطاع العام وصفة مكلفة للفشل المحتّم

الرواتب

تتفق القوانين الداخلية في لبنان مع شرعة حقوق الإنسان، ومبادئ منظمة العمل الدولية، على مبدأ “العمل اللائق” و الرواتب العادلة. ويتضمن هذا المبدأ إعطاء العامل أجرًا عادلًا وكافيًا، وتقديمات اجتماعية تحفظ كرامته. وينص قانون العمل اللبناني، في المادة 44 منه، على أنه: “يجب أن يكون الحد الأدنى من الأجر كافيًا ليسد حاجات الأجير الضرورية وحاجات عائلته”.

انطلاقًا من هذه المقاربة، تعلو أصوات الموظفين في القطاع العام للمطالبة بزيادة رواتبهم، بعدما “أكلها” التضخم وانهيار سعر الصرف منذ عام 2019. وتعمّ الاحتجاجات الشوارع، وتُوصَد أبواب الإدارات العامة في وجه المواطنين والطلاب، وتُعطَّل جميع المصالح.

الحقيقة كاملة

هذا الحق الذي يكفله القانون يمثّل نصف الحقيقة، فيما النصف الآخر، المتمثّل في وجوب أن “يكون العمل منتجًا”، بحسب منظمة العمل الدولية، وأن “يأخذ الحد الأدنى اللائق للأجر بعين الاعتبار نوع العمل”، بحسب المادة 44 من قانون العمل اللبناني، يبقى مغيّبًا وراء الشعارات الفارغة. فما يطالب به موظفو لبنان، باختصار، هو مضاعفة الرواتب 60 مرة، لتعود إلى القيمة التي كانت عليها عشية الانهيار، وضمّ هذه الزيادات إلى صلب الراتب مع كل التقديمات الاجتماعية، بغضّ النظر عن مدى إنتاجية الموظفين في مختلف القطاعات، وتعميم هذه الزيادة على الجميع، دون إقامة أي اعتبار لفائض الأعداد وفوضى توزعها ونوع العمل.

الهيكلة المفقودة

الحكومة التي “تُرفع لها القبعة” لابتعادها عن الشعبوية، وإخراجها من “ثلاجة” الانتظار قوانين “إلغاء السرية المصرفية”، و”هيكلة المصارف”، و”الانتظام المالي”، وإقرارها، رغم المعارضة، ما زالت غير حازمة مع إصلاح القطاع العام. فالبحث في الجلسة الأخيرة للحكومة لم يتوقف عند فائض الموظفين ومقدار إنتاجيتهم، بل تركز على رفع الرواتب دون استثناء، وتوحيد العطاءات. وهذا ما يتعارض جملةً وتفصيلًا مع خطة إعادة هيكلة القطاع العام، التي وضعتها وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، ومع مخطط “التوصيف الوظيفي” الذي وضعته الوزارة بالتعاون مع مجلس الخدمة المدنية.

منذ عام 2017، تاريخ صدور القرار رقم 43 عن مجلس الوزراء، المتعلق بإجراء مسح شامل للوظائف وتحديد الحاجات الفعلية والكلفة النهائية، والأمور تراوح في المربع الأول. فلم يتم إجراء أي إحصاء فعلي ونهائي لأعداد الموظفين، بمختلف مسمياتهم الوظيفية، بين ثابت، ومتعاقد، وعلى الفاتورة، وأجير، وبالطلب، ومدرّب، ومياوم. وتم تمييع التعميم 30/2019، الذي يطلب فيه مجلس الوزراء من الوزارات والمؤسسات العامة كافة القيام بمسح لموظفيها الحاليين، بغضّ النظر عن أوضاعهم القانونية، وإرسال نتائج المسح إلى مجلس الخدمة المدنية. والأخطر أنه تم التغاضي عن السير بالقرار رقم 3، تاريخ 12 أيلول 2019، بإنشاء لجنة وزارية برئاسة رئيس مجلس الوزراء للنظر في إلغاء عدد من المؤسسات العامة.

13 مؤسسة لا مبرر لوجودها

تفيد إحصاءات الدولية للمعلومات لعام 2024 بأن هناك 13 مؤسسة عامة لم يعد لوجودها أي مبرر. فهذه المؤسسات، التي استُحدثت في عام 1990 للملمة آثار الحرب وتطوير المناطق والاقتصاد، لم تحقق شيئًا يُذكر في عزّ الحاجة إليها، رغم إنفاقها مليارات الدولارات. ومع مرور السنوات، توقفت عن العمل كليًا، وبقيت هياكل تضم آلاف الموظفين برواتب وتعويضات وموازنات تشغيلية لتسديد الفواتير والصيانة والتجهيزات المكتبية، بمئات المليارات. ومن هذه المؤسسات، على سبيل الذكر لا الحصر، تبرز: أليسار، والمؤسسة العامة للأسواق الاستهلاكية، والصندوق الوطني للمهجرين، ووزارة المهجرين، وغيرها.

بقية المؤسسات ليست أفضل حالًا: المدارس والكهرباء مثالًا

بالانتقال من المؤسسات غير الفاعلة، فعليًا، إلى المؤسسات الفاعلة نظريًا، إذا ما قيس مستوى إنتاجيتها مع كلفتها، تبرز المدارس الرسمية. فبحسب أرقام مجلس الخدمة المدنية، التي تعود لعام 2021، يبلغ عدد أفراد الهيئة التعليمية، بين موظف ومتعاقد، 30,556 فردًا. ويتوزع هذا العدد الكبير على 1,230 مدرسة رسمية، تضم فقط نحو 35 في المئة من مجمل أعداد التلامذة في لبنان. وتشهد الكثير من المدارس الرسمية في القرى ظاهرة تفوق أعداد الأساتذة فيها على التلامذة.

 المصدر: مجلس الخدمة المدنية
المصدر: مجلس الخدمة المدنية

الانتقال إلى بقية القطاعات لا يبدو أفضل حالًا، فوفقًا لإحصاءات مجلس الخدمة المدنية لعام 2021، يظهر أن عدد العاملين الخاضعين لصلاحياته يبلغ 11,627 موظفًا في الإدارات العامة، و2,639 مستخدمًا في المؤسسات الخاضعة لصلاحيته، منهم 1,056 شخصًا بصفة يد عاملة داعمة (غبّ الطلب) في مؤسسة كهرباء لبنان، و526 موظفًا في البلديات الخاضعة لصلاحية مجلس الخدمة. ويصل المجموع العام إلى 46,923 عاملًا، بين موظف ومتعاقد ومستخدم وأجير.

المصدر: مجلس الخدمة المدنية
المصدر: مجلس الخدمة المدنية

يُضاف إلى هذا العدد العاملون في المؤسسات العامة، والمصالح المستقلة، والصناديق، والمجالس، والهيئات، والمؤسسات التي تُموَّل جزئيًا أو كليًا من الدولة، بعدد 7,768 شخصًا. وعليه، يبلغ الرقم الإجمالي 54 ألفًا و691 عاملًا.

المصدر: مجلس الخدمة المدنية

استنزاف الموازنات

إذا ما أُضيف إلى هذا العدد أفراد بقية الأسلاك العسكرية والقضائية والبلدية والمتقاعدين، فإن الرقم يزيد على 400 ألف موظف وعامل في القطاع العام. ويُخصَّص لهذا العدد الهائل من الموظفين الجزء الأكبر من الموازنة العامة للدولة. فبحسب أرقام موازنة 2026، تبلغ تكلفة مخصصات الرواتب والأجور وملحقاتها 1.5 مليار دولار، يُضاف إليها المنافع الاجتماعية، التابعة لها في معظمها، بقيمة 1.65 مليار دولار. ويُشكّل هذان البندان المخصَّصان بشكل أساسي للموظفين ما قيمته 3.15 مليار دولار، وبنسبة تتجاوز 50 في المئة من مجمل النفقات. وإذا ما أضفنا إلى هذين البندين المواد الاستهلاكية (قرطاسية، ومحارم، وأدوات مطبخ، وخلافه) لمؤسسات الدولة بقيمة 588 مليون دولار، وتجهيزات بقيمة تناهز 105 ملايين دولار، وصيانة بقيمة 343 مليون دولار، والنفقات الطارئة الاستثنائية بقيمة 218.5 مليون دولار، يصبح تأمين متطلبات تشغيل القطاع العام من المعدات ووالأدوات و الرواتب يكلّف الدولة نحو 4.5 مليارات دولار، من أصل نفقات تقارب 6 مليارات دولار.

الايرادات خمس النفاقات

مقابل هذا الإنفاق الكبير على القطاع العام، تشكّل الإيرادات غير الضريبية نحو مليار دولار فقط، تمثّل 17 في المئة من مجمل الإيرادات في موازنة 2026، وهي تتوزع على:

  • الإيرادات من إدارات مؤسسات الدولة بقيمة تقارب 718.3 مليون دولار.
  • الرسوم والعائدات الإدارية والمبيعات بقيمة تقارب 305 ملايين دولار.
  • الغرامات والمصادرات بقيمة تناهز 3 ملايين دولار.

جدل في غير مكانه

الجدال القائل بأن الإيرادات الضريبية التي تصل إلى الخزينة يحققها الموظفون، ولولاهم لما تمت، يشوبه المبالغة والتناقض في الوقت نفسه. فمن جهة، يتسم عمل أكثرية الإدارات بالبيروقراطية الإدارية، وتسيطر عليها عادة دفع الرشاوى لتخليص المعاملات. وليس أدل على ذلك إلا ما جرى في الدوائر العقارية وما يجري في دوائر النفوس في مختلف المحافظات. كما تنقص هذه الإدارات في معظم الأوقات الأدوات اللوجستية من أوراق ومحابر وطوابع لإتمام أبسط المعاملات، ما يؤدي إلى إحجام المواطنين عن التوجه إليها وتسديد ما عليهم. وبإمكان المعاملات الإلكترونية والدفع عبر الحسابات المصرفية، بعد إصلاح القطاع، توفير الجهد والوقت والرشاوى، وتأمين مبالغ أكبر بكثير للدولة، مع تسهيل معاملات المواطنين بشكل لا يقاس. من جهة أخرى، فإن الإقرار باختلاف المسؤوليات يتطلب اختلافًا في الأجر، وليس توحيدًا صارمًا للمعايير.

وفيما يخص النقص في أعداد الموظفين في مختلف الإدارات العامة، فإن تراجع عددهم من نحو 30 ألفًا في الملاك إلى أقل من 10 آلاف، يقابله أن موظفي القطاع العام في لبنان يشكّلون حوالي 30 في المئة من القوى العاملة، مقابل متوسط لا يتجاوز 15 في المئة في أغلب الدول المتقدمة، ومنها فرنسا والدول الخليجية وغيرها.

إصلاح الرواتب حق، ولكن!

لا يتم إصلاح رواتب القطاع العام وزيادتها مع التقديمات الاجتماعية وتعويضات نهاية الخدمة عبر دفع المزيد من الأموال كما يعتقد البعض، إنما عبر مسارين متوازين:

المسار الأول: التخلص من احتكار الدولة لمؤسسات وقطاعات لا تولد لها إلا نحو 20 في المئة فقط من مدخولها، عبر خصخصتها. فهذه القطاعات لا تزال تعاني من انعدام الكفاءة، وضعف التحصيل، وتراجع العائدات. ومن المفيد إجراء إصلاح تنظيمي لفتح هذه الأسواق أمام المنافسة، وجذب الاستثمارات الخاصة في البنية التحتية، وتعزيز المساءلة، وهي أهداف غائبة بشكل ملحوظ عن الميزانية الحالية.

المسار الثاني: تخفيض النفقات التشغيلية الكبيرة للقطاع العام، التي تمتص أكثر من 50 في المئة من الإيرادات، فيما تشكّل بقية النفقات الاستثمارية نسبة أقل بكثير، لا تتجاوز 10 في المئة من مجمل نفقات موازنة 2026، نتيجة تجميد مشاريع البرامج. ومع هذا، فإن قسمًا غير قليل من هذه النفقات يذهب هدراً، بسبب سُمِيرَات وتجاوزات، ولا يخدم الصالح العام.

وبهذا الشكل، لا يبقى في القطاع العام سوى الأشخاص المنتجين فعليًا، الذين يحتاج إليهم الاقتصاد. عندها يصبح من السهل انصافهم بالرواتب والتعويضات.