اقتصادٌ هشٌّ في مواجهة حربٍ مُكلفة: كيف تتراكم الخسائر على لبنان من كل اتجاه؟

تتصاعد التكاليف الاقتصادية الناجمة عن الحرب على لبنان بصورة متسارعة، في ظل اقتصاد وطني يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية متراكمة. وتتوزع هذه الفاتورة على ثلاثة محاور رئيسية: أولها تكاليف الدمار المباشر للبنية المادية، وثانيها الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف النشاط الإنتاجي والتجاري، وثالثها كلفة إعادة الإعمار المستقبلية.

 حجم الخسائر المباشرة

تُقدَّر تكاليف الدمار الناجمة عن الحرب السابقة بنحو سبعة مليارات دولار، شكّلت المنازل وحدها ما يزيد على 4.6 مليار دولار منها، فيما توزّعت البقية على المنشآت التجارية والصناعية والأراضي الزراعية. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الرقم يتجاوز الموازنة السنوية للدولة اللبنانية التي لم تتخطَّ الستة مليارات دولار في أحسن أحوالها.

يُضاف إلى ذلك ما خلّفه توقف النشاط الاقتصادي من خسائر فادحة، إذ تراجع قطاع السياحة تراجعاً حاداً، وأوقفت شركات الطيران معظم رحلاتها إلى بيروت، وتجمّدت حركة التجارة والصناعة. وقد قُدِّرت هذه الخسائر بسبعة مليارات دولار إضافية، ليرتفع الإجمالي إلى نحو أربعة عشر مليار دولار. كما تُقدَّر تكلفة إعادة الإعمار وحدها بأحد عشر مليار دولار، منها ستة مليارات لإعادة بناء المساكن، ومليارا دولار لإعادة تأهيل المنشآت التجارية والصناعية.

 التداعيات غير المباشرة

تمتد تداعيات الحرب لتطال لبنان من خلال تأثيرات غير مباشرة مرتبطة بالصراع الدائر في منطقة الخليج. فقد أفضت الضغوط على المنشآت النفطية الإيرانية وعلى مضيق هرمز إلى صدمات في أسواق الطاقة العالمية، تجلّت في ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تجاوزت 60%، وبنحو 90% في المملكة المتحدة. وقد انعكس ذلك على لبنان من خلال ارتفاع أسعار المحروقات، مما أدى إلى تصاعد تكاليف الكهرباء المولَّدة عبر المولدات الخاصة، وارتفاع كلف النقل الداخلي والاستيراد، وبالتالي غلاء شامل في أسعار جميع السلع والخدمات.

يُعمِّق هذا الواقع الهشاشة النقدية للبنان، إذ يتصاعد الطلب على الدولار بوصفه ملاذاً آمناً في ظل انعدام الاستقرار الأمني. ويُشكّل هذا الضغط على احتياطيات المصرف المركزي بالعملات الأجنبية، البالغة نحو اثني عشر مليار دولار، تهديداً للاستقرار النقدي، لا سيما أن هذه الاحتياطيات مطلوبة في آنٍ واحد لتمويل رواتب القطاع العام وردّ أموال المودعين وتغطية نفقات إعادة الإعمار.

تراجع إيرادات الدولة وتصاعد نفقاتها

تواجه الحكومة اللبنانية ضغطاً مزدوجاً يتمثل في تراجع مواردها وتصاعد التزاماتها في آنٍ معاً. فمن جهة، تتراجع الإيرادات جرّاء توقف السياحة وانخفاض التحويلات المالية من المغتربين في دول الخليج المتأثرة بدورها بالحرب. ومن جهة أخرى، ترتفع النفقات لتلبية متطلبات النزوح وخطط الطوارئ وإزالة الأنقاض. ويُهدد هذا الوضع بالعودة إلى عجز في الموازنة العامة، مما قد يدفع نحو التمويل النقدي عبر المصرف المركزي، وهو ما يُشكّل خطراً جدياً على سعر صرف الليرة اللبنانية.

 القطاعات الأكثر تضرراً

يتصدر قطاع السياحة والتجارة والخدمات قائمة القطاعات المتضررة، إذ يعاني من شبه توقف تام. ويتبعه قطاع المحروقات المتأثر بالأسعار العالمية المتصاعدة، وإن كانت لبنان تستورد الجزء الأكبر من محروقاتها من دول حوض البحر الأبيض المتوسط كاليونان وإيطاليا وتركيا، لا من الخليج العربي مباشرةً. ويظل استمرار ضخ الإمدادات مضموناً بحرياً، غير أن الأسعار ستبقى رهينة التقلبات العالمية.

يُضاف إلى ذلك الضغط الكبير الذي يتعرض له قطاع الكهرباء، لا سيما في ظل تزايد الطلب الناجم عن موجات النزوح الداخلي ولجوء النازحين إلى المجتمعات المضيفة. وتعجز المولدات الخاصة عن تلبية هذا الطلب المتنامي، جزئياً بسبب القيود القانونية التي تحول دون توسع أصحابها في الاستثمار.

 الحلول المقترحة

على الصعيد النقدي، يبرز الانتقال إلى نظام مجلس العملة (Currency Board) خياراً استراتيجياً لتحصين الليرة اللبنانية في مواجهة تداعيات الحرب. ويقوم هذا النظام على تغطية الكتلة النقدية بالكامل بالدولار الأمريكي، مما يُضفي مصداقية على العملة الوطنية ويقطع الطريق أمام أي انهيار محتمل لسعر الصرف. وقد اعتمدت دول عدة مرّت بأزمات أمنية مشابهة هذا النهج بنجاح، من بينها البوسنة والهرسك وهونغ كونغ.

وفيما يتعلق بقطاع المحروقات، يُستحسن السماح لآليات العرض والطلب بتحديد الأسعار وفق معدلات تُحتسب أسبوعياً لا شهرياً، وذلك لمواكبة التقلبات السريعة في أسعار النفط العالمية. إذ إن تجميد الأسعار دون مستوياتها الفعلية سيؤدي حتماً إلى شُح في المعروض وعودة طوابير الانتظار.

أما في قطاع الاتصالات، فتبرز ضرورة كسر الاحتكار الثنائي القائم وفتح السوق أمام مزيد من المشغلين الخاصين، إلى جانب تفعيل خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية كخيار بديل يحمي من مخاطر انقطاع الكابلات البحرية. كما يُوصى بتسريع عمل الهيئة الناظمة في منح التراخيص اللازمة لمشاريع الطاقة الشمسية والبنية التحتية للكهرباء، بما يُخفف وطأة الأزمة على المجتمعات المضيفة للنازحين.

وعلى صعيد قطاع الصحة، يُسجَّل أن المخزون الدوائي لأدوية الأمراض المزمنة والسرطانية يكفي لفترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر. وقد أسهمت رقمنة ملفات المرضى في وزارة الصحة في تيسير وصول النازحين إلى أدويتهم في مناطق إقامتهم الجديدة. كما صدر قرار وزاري بتعليق اشتراط تجديد الملفات الطبية لمدة شهر، وذلك تخفيفاً للأعباء الإدارية الملقاة على عاتق المرضى في هذه الظروف الاستثنائية.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على موقع VDL