تُشير المعطيات الراهنة إلى أن أسعار المحروقات في لبنان باتت مرهونةً بالتطورات الإقليمية والدولية، إذ يُلاحَظ أن أي حديثٍ عن هدنةٍ أو وقفٍ لإطلاق النار يُفضي فوراً إلى تراجعٍ في أسعار النفط العالمية. وتُحتسب الأسعار المحلية للمحروقات على أساسٍ أسبوعي وفق المعدل الوسطي للأسبوع بأكمله، مما يعني أن أي انخفاضٍ راهن قد لا ينعكس بصورةٍ فورية على المستهلك، بل يستدعي استقراراً متواصلاً في مسار الهبوط.
تجدر الإشارة إلى أن برميل النفط الذي بلغ مستوى 150 دولاراً في مرحلةٍ سابقة، تراجع ليستقر قرب 93 دولاراً، غير أن هذا الانخفاض لا يُعيد بالضرورة الأسعار إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب. فحتى في تلك المرحلة، كانت أسعار المحروقات تُشكّل عبئاً على المواطن اللبناني نظراً لضعف قدرته الشرائية، يُضاف إلى ذلك أن الحكومة اللبنانية لم تُقدم حتى الآن على إلغاء الضريبة المفروضة على البنزين، والتي تُقدَّر بنحو أربعة دولارات، وهو ما من شأنه أن يُخفف من وطأة الأسعار على المستهلك في حال إلغائها.
يُلفت الخبراء الاقتصاديون إلى أن التجار والمستوردين يميلون إلى تأخير انعكاس انخفاض أسعار النفط على أسعارهم، وذلك حرصاً على إعادة تكوين مخزوناتهم قبل الإقدام على أي تخفيض. ويُشكّل هذا السلوك عقبةً أمام الاستفادة الفورية من تراجع الأسعار العالمية، مما يستوجب رقابةً حكومية فاعلة.
على صعيدٍ آخر، يُثير قطاع الكهرباء إشكاليةً متشعبة، إذ أقدمت وزارة الطاقة على رفع تسعيرة المولدات الخاصة بنسبة 30%، إلا أن كثيراً من أصحاب المولدات تجاوزوا هذا السقف ورفعوا أسعارهم بصورةٍ مفرطة مستغلين الظروف الاستثنائية. وتقع المسؤولية الأساسية في هذا الملف على عاتق وزارة الاقتصاد ووزارة الطاقة والحكومة اللبنانية برمتها، التي لا تزال تُحجم عن منح تراخيص لمعامل توليد كهرباء خاصة تعمل بكميات كافية وبأسعارٍ تنافسية.
يرى المختصون أن الحل الأمثل يكمن في فتح المجال أمام شركات كبرى للدخول إلى سوق إنتاج الكهرباء، بحيث يتمكن المواطن من الاختيار بين مزودين متعددين، مما يُفضي إلى منافسةٍ حقيقية تحمي المستهلك من الاحتكار وترفع عنه كلفة الفواتير المرتفعة. ويُقترح في هذا السياق إنشاء منشآت توليد بمستوى القضاء لا الحي، تُتيح قدراً من التنافسية بديلاً عن النموذج الراهن القائم على شبكة مولداتٍ مبعثرة وغير فعّالة.
أما على صعيد الطاقة المتجددة، فتبقى الطاقة الشمسية عاجزةً عن تلبية الطلب الصناعي الجدي، لا سيما في المدن الكبرى كبيروت. وقد أبدت بعض المناطق الريفية مبادراتٍ فردية لافتة، كتجربة ضيعة الطوله في الشمال التي لجأت إلى الألواح الشمسية الجماعية في مواجهة أزمة المحروقات، غير أن البيروقراطية الحكومية وتعقيد إجراءات الترخيص أعاقا تعميم هذه التجارب وتوسيع نطاقها. ويرى المراقبون أنه بدلاً من تيسير المشاريع الكبرى وتشجيعها، باتت الدولة تُعقّد حتى المبادرات الفردية الصغيرة كتركيب الألواح الشمسية على أسطح المنازل.
يبقى الاقتصاد اللبناني في مواجهة تحدياتٍ هيكلية عميقة، إذ لا يكفي انتهاء الحرب وحده لمعالجة الاختلالات الجوهرية المتراكمة. ويستدعي الخروج من هذه الأزمة إرادةً سياسية حقيقية، وإصلاحاتٍ جذرية في قطاعَي الطاقة والمحروقات، تضع مصلحة المواطن في صدارة الأولويات.