يتساءل المواطنون دائماً عن التوجه المستقبلي لسعر الصرف. يمكن الحفاظ على استقرار نسبي في سعر الصرف، طالما تمكّن المصرف المركزي من ضخ الدولار، وطالما بقيت الحرب ضمن حدودها الراهنة دون تصعيد.
غير أنه في حال طال أمد النزاع واستمر استنزاف الاحتياطات، فقد يشهد سعر الصرف ارتفاعاً ملحوظاً. وعلى صعيد التدفقات المالية، تصمد تحويلات المغتربين المقدّرة بنحو ستة مليارات دولار سنوياً، إلا أن القطاع السياحي يُشكّل نقطة ضعف أساسية؛ إذ يعني أي تراجع في موسم الصيف خسارة مورد حيوي من العملات الأجنبية، مما يزيد الضغط على الليرة.
يعكس سعر الصرف تداخل السياسة النقدية مع البيئة العامة والظروف الإقليمية، ويُحدَّد بعاملين أساسيين. يتمثل العامل الأول في حجم الكتلة النقدية المتداولة في السوق؛ فكلما توسّع المصرف المركزي في ضخ العملة، تراجعت قيمتها، في حين يُسهم الانضباط النقدي في كبح تدهور سعر الصرف. وقد تراجعت الكتلة النقدية في عام 2025 من 86 تريليون ليرة إلى 66 تريليون ليرة، بهدف امتصاص فائض السيولة وضبط السوق.
أما العامل الثاني فهو ثقة المواطنين بالليرة استخداماً وادخاراً، وهي عنصر يتأثر بسرعة بالأزمات. تدفع الحرب الأفراد نحو الدولار بوصفه ملاذاً آمناً، فيتضاعف الطلب عليه على حساب الطلب على العملة المحلية. يُضاف إلى ذلك العامل الخارجي المتمثل في ارتفاع أسعار الغذاء والنفط والنقل عالمياً، مما يزيد فاتورة الاستيراد ويرفع الحاجة إلى الدولار.
يسعى المصرف المركزي إلى تحقيق توازن دقيق بين تقليص الكتلة النقدية وتأمين الدولار لتلبية حاجات السوق. تُشير المعطيات إلى تراجع الاحتياطات بنحو 340 مليون دولار شهرياً. ويُشكّل اعتماد الحكومة سياسة الموازنة المتوازنة، القائمة على الإنفاق ضمن حدود الإيرادات، عنصر استقرار نسبي، بعد سنوات من تمويل العجز عبر طباعة الليرة.
تتشكّل أمام سعر الصرف ثلاثة مسارات محتملة: إما الانضباط النقدي والاستقرار النسبي، وإما مرحلة هشّة ومتذبذبة، وإما استنزاف مستمر للاحتياطات. بيد أن مصير سعر الصرف يبقى رهيناً بما ستحمله الأيام المقبلة.