تشهد الساحة الاقتصادية في لبنان جملةً من التطورات المتسارعة التي باتت تُلقي بظلالها على المشهد المالي العام، وتُثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الوطني، ولا سيما على صعيد السيولة بالعملة الأجنبية وفي مقدّمتها الدولار الأمريكي.
تجدر الإشارة في البداية إلى أن الحديث عن شُحّ فعلي في الدولار لا يعكس الواقع الراهن بصورة دقيقة؛ إذ يتمكّن كل من يتوجّه إلى السوق حاملاً عملة لبنانية من الحصول على الدولار بيُسر وسهولة، وعلى سعر الصرف السائد في السوق. ويعكس ذلك غياب أي اختلال حادّ بين سعر السوق الموازية والسعر الرسمي، مما يُدحض الادعاءات القائلة بوجود أزمة سيولة حادة في الوقت الراهن.
غير أن ثمة مخاوف جدية تتصل بمستوى احتياطيات العملات الأجنبية وما قد يطرأ عليها من تراجع في الأشهر المقبلة. فقد شهدت هذه الاحتياطيات انخفاضاً ملموساً بلغ نصف مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، ويُعزى ذلك في معظمه إلى تداعيات الحرب الإقليمية التي أسهمت في رفع كلفة الاستيراد، فضلاً عن الأعباء الاقتصادية الجسيمة التي فرضتها الحرب الدائرة في جنوب لبنان، التي أفضت إلى تقلّص مداخيل الدولة من جهة، وتنامي نفقاتها من جهة أخرى.
تكشف التقديرات الاقتصادية أن احتياطيات العملات الأجنبية لم تعد تتمتع بالهامش الواسع الذي كان متاحاً في مراحل سابقة، في وقت تعيش فيه الأسواق حالة من الترقّب والحذر انعكست سلباً على الحركة التجارية والاستهلاكية على حدٍّ سواء.
تتعالى أصوات بعض الأطراف الحكومية مطالبةً مصرف لبنان باللجوء إلى الأموال المتوفرة في الاحتياطي بهدف شراء الليرة من السوق أو لدعم احتياجات الدولة المالية. بيد أن هذا التوجه يُقابَل برفض قاطع، استناداً إلى أن الدولة اللبنانية تمتلك أصلاً رصيداً بالدولار الفريش لدى مصرف لبنان يبلغ نحو ثمانمائة وأربعين مليون دولار. وعليه، يظل المسّ بأموال المودعين خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وهو ما التزم به مصرف لبنان في قراراته الرسمية.
يُفضي ذلك إلى ضرورة أن تلجأ الدولة، في ظل هذه الظروف الاستثنائية، إلى استخدام رصيدها الخاص المودَع في مصرف لبنان لتغطية متطلباتها المالية الآنية، بدلاً من التعدّي على أموال المودعين أو استنزاف الاحتياطيات العامة.
يتضح مما سبق أن لبنان لا يمرّ في الوقت الراهن بأزمة شُحّ نقدي بالمعنى الفعلي للكلمة، إلا أنه يقف أمام مرحلة بالغة الدقة تتسم بتراجع الثقة وتضيّق مصادر الدولار وتراجع الاحتياطيات. وتستدعي هذه المرحلة تعاملاً مسؤولاً وحكيماً من قِبَل صانعي القرار، قائماً على صون أموال المودعين وصون ما تبقى من احتياطيات، وتوظيف الموارد المتاحة بما يخدم الاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد.
يبقى الاقتصاد اللبناني في مواجهة تحديات مركّبة تتشابك فيها العوامل الداخلية والخارجية، من تداعيات الصراعات الإقليمية إلى ضعف البنية المالية الهيكلية وتراكم الأزمات. ولا يزال المسار نحو الاستقرار رهيناً بجملة من الإصلاحات الجوهرية التي طال انتظارها، وفي مقدّمتها إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وترسيخ الشفافية في إدارة المال العام، وتفعيل آليات المساءلة على المستويات كافة.