النظرة الأولى إلى المؤشرات الاقتصادية الأساسية تدفع المراقب سريعًا إلى استحضار اللازمة: «شي عجيب كيف ماشي»، من أغنية «أنا مش كافر». ففي ظل حرب مستمرة منذ ثلاث سنوات، صبّت الزيت على نار الانهيار الاقتصادي، وتسببت بخسائر تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، وعزلة اقتصادية فاقمتها التطورات في البلدان العربية، وعدم الشروع في الإصلاحات الهيكلية، ما زالت المؤشرات النقدية صامدة، وفي مقدمتها احتياطيات العملة الصعبة.
تُظهر ميزانية مصرف لبنان للنصف الثاني من أيار توقف نزيف العملة الصعبة. فبعد تحقيق زيادة بقيمة 32 مليون دولار في بند احتياطيات العملات الأجنبية خلال النصف الأول من أيار، لم يتراجع هذا البند في نهاية الشهر إلا بمقدار ضئيل جدًا، بلغ 16 مليون دولار فقط. ويكتسب هذا الأداء أهمية خاصة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الطلب على النقد الأجنبي يرتفع بشكل ملحوظ في نهاية الشهر مقارنة بمنتصفه، نتيجة استحقاقات عدة، أبرزها تسديد رواتب القطاع العام التي تناهز 250 مليون دولار، وتنفيذ التعميمين 158 و166 بقيمة تقارب 240 مليون دولار، فضلًا عن مدفوعات أخرى.
استقرار الاحتياطيات
على الرغم من ذلك، استقرت احتياطيات العملات الصعبة عند 11 مليارًا و447 مليون دولار حتى نهاية أيار، وهو مستوى أعلى بكثير من ذلك المسجل في الفترة نفسها من العام الماضي. ويعود هذا الاستقرار النسبي إلى عاملين حاسمين:
- استمرار مصرف لبنان، بالتعاون مع الحكومة ووزارة المال، في ضبط الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، من خلال «الحفاظ على توازن نسبي في السوق وحماية الموجودات، رغم شح الموارد والظروف الاستثنائية»، بحسب بيان سابق للمصرف. ويقوم مصرف لبنان بشراء الدولارات من السوق باستخدام الأموال المتأتية من الضرائب والرسوم التي تجبيها وزارة المال.
- ضبط العملية على أرض الواقع عبر إيكال مهمة التنفيذ إلى جهة واحدة متخصصة، ما حدّ من المضاربات في السوق ومن التنافس بين الشركات والصرافين على شراء الدولار، كما كان يحدث قبل منتصف عام 2023. والأهم أن الآلية المعتمدة تلتزم بمعايير مكافحة تبييض الأموال، وتضمن عدم التعامل مع الجهات الخاضعة لعقوبات وزارة الخزانة الأميركية، كما أنها لا ترتب أي أكلاف مالية على الخزينة العامة.
الانعكاس على الواقع النقدي
لا يكتمل النظر إلى الاستقرار النقدي من دون مراقبة مؤشرين أساسيين آخرين: الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية وودائع القطاع العام. فهذان المؤشران يرتبطان بعلاقة عضوية مع سعر الصرف والسيولة بالدولار. ففي حين ترتبط الكتلة النقدية بالليرة بعلاقة عكسية مع سعر الصرف، إذ تؤدي أي زيادة فيها إلى ارتفاع الطلب على الدولار، ترتبط ودائع القطاع العام بعلاقة طردية، بما يعزز الاستقرار النقدي ويحد من الضغوط على سوق القطع.
وتُظهر ميزانية مصرف لبنان نصف الشهرية حتى نهاية أيار بقاء الكتلة النقدية ضمن مستوياتها السابقة، عند حدود 59 ألف مليار ليرة لبنانية، أو ما يعادل نحو 665 مليون دولار على أساس سعر صرف يبلغ 89,500 ليرة للدولار، وهو ما يعزز الاطمئنان إلى وجود استقرار طويل الأمد في سعر الصرف. أما فيما يخص ودائع القطاع العام، فقد بلغت مع نهاية أيار 9 مليارات و617 مليون دولار.
الزيادة في ودائع القطاع العام تعني أن الدولة تجبي أموالًا أكبر بالليرة اللبنانية، ما يتيح لمصرف لبنان التدخل في السوق لشراء فائض الدولارات من دون الاضطرار إلى طباعة المزيد من العملة المحلية. ومع أن ارتفاع ودائع القطاع العام يعكس اعتماد سياسة تقشفية تلقى انتقادات واسعة، في ظل تزايد أعباء الحرب واحتياجات المجتمع، فإن “المصلحة الوطنية العليا المتمثلة في الحفاظ على الاستقرار النقدي وحماية مداخيل موظفي القطاع العام وشريحة من الأجراء في القطاع الخاص تتطلب الاستمرار بهذه السياسة إلى حين انتهاء الحرب والشروع في تنفيذ الإصلاحات”، بحسب مصدر معني.
ويشدد المصدر على أن “هذه السياسة مؤقتة وليست دائمة، إذ تهدف إلى امتصاص الضغوط التي قد تنجم عن التوسع في الإنفاق النقدي في ظل تراجع تدفقات الدولار من الخارج”. فمع انخفاض قيمة الصادرات، وتراجع تحويلات المغتربين، وتراجع الإيرادات السياحية، فإن أي توسع في الإنفاق بالليرة سيؤدي إلى خلق طلب إضافي على الدولار، ولا سيما في ظل ارتفاع قيمة الاستيراد، إلى معدلات قياسية، بلغت 5 مليارات و380 مليون دولار في الربع الأول من العام الحالي، بحسب أرقام الجمارك اللبنانية.
يُقال: «عند معرفة السبب يبطل العجب». فالاستقرار النقدي الذي يشهده لبنان لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج سياسة نقدية ومالية مدروسة. ورغم ما يرافق هذه السياسة من آثار انكماشية وزيادة في الاعتماد على المساعدات، فإنها تبدو، في الظروف الحالية، أقل الخيارات كلفةً مقارنة بالبدائل المتاحة، خصوصًا في ظل غياب أي أفق زمني واضح لانتهاء الحرب واستعادة الاستقرار الاقتصادي.
