لامركزية الطاقة شمعة في “كهف” مؤسسة الكهرباء.. مطلوب تحويلها إلى ضوء ساطع

الكهرباء

شكّلت مؤسسة الكهرباء، بإدارتها الرديئة القائمة على التنفيعات، “حجر عثرة” في مسيرة إصلاح قطاع الطاقة. على مدار سنوات طويلة، اصطدمت الأفكار المجددة والخطط الهادفة بالمصالح الضيقة للمستفيدين من تردّي وضع المؤسسة. المنافع الشخصية للقائمين عليها تقاطعت مع المنتفعين من خارجها، لتجهض كل محاولات التقدّم. وهكذا، “دُفنت” مشاريع لامركزية الإنتاج والتوزيع كرمى عيون المؤسسة المركزية، حاملةً واحدة من أكثر التناقضات في القرن الحادي والعشرين. ففي الوقت الذي كان يُمنع فيه انتشار المحطات الكهروضوئية على مستوى موسع، كانت المولدات الخاصة “تسرح وتمرح”، حتى وصل عددها إلى أكثر من 3000 مولد، بقيمة سنوية تتجاوز المليار دولار.

بعد سنوات من الدوران في هذه الحلقة المفرغة، قال وزير الطاقة جو الصدّي أخيراً إن “الهيئة الناظمة لـ الكهرباء أجرت، بالتعاون مع البنك الدولي، دراسة معمقة حول النموذج الأنسب للبنان”. كاشفاً، خلال لقائه نواب مدينة طرابلس وفعالياتها، أن “التوجه يقوم على الانتقال إلى توزيع أكثر لامركزية، من خلال تقسيم لبنان إلى مناطق وفق نموذج شبيه بتجربة زحلة”. ويقوم التصور العام للوزير على إجراء مناقصات لعدد من المناطق، بحيث تتولى الجهة الفائزة شراء الكهرباء من المنتجين، سواء من الدولة أو من القطاع الخاص مستقبلاً، وإدارة الشبكة المحلية وتركيب العدادات وجباية الفواتير.

لامركزية الانتاج والتوزيع

تطبيق هذه المقترحات، وإن “لن يتم بصورة فورية”، بحسب الصدّي، فإنه، على الأكيد، يشكل بداية الخروج من أزمة الكهرباء. وهذا ما دأب المعهد اللبناني لدراسات السوق (LIMS) على المطالبة به منذ سنوات بعيدة. فمنذ العام 2019، نادى المعهد وخبراؤه بلامركزية الإنتاج والتوزيع على غرار كهرباء زحلة، كطريق وحيد للخروج من أزمة الكهرباء المتفاقمة وتخفيف أعبائها عن المواطنين، ولا سيما أن هذا النموذج لا يعتبر أكثر فاعلية وعدالة فحسب، إنما يضمن تحسين الخدمة والجباية في آن واحد.

الاستشهاد بتجربة كهرباء زحلة من الناحية التقنية ينطلق من تمكّن منطقة جغرافية واسعة نسبياً، تضم، إضافة إلى المدينة، عشرات القرى المجاورة، من تأمين تغذية كهربائية على مدار الساعة وجباية بنسبة 99%. وهذان العنصران المفقودان في مؤسسة كهرباء لبنان يمكن تعميمهما على كل المناطق، من خلال تقسيم شبكة الكهرباء المنتشرة على كافة الأراضي اللبنانية إلى أجزاء مناطقية أصغر، ومدّها بالإنتاج الكهربائي من مزارع الطاقة الشمسية، أو حتى من المعامل التقليدية المستحدثة التي يمكن أن تنشأ بصورة مستقلة أو عبر الشراكة بين البلديات والقطاع الخاص ضمن نطاق جغرافي محدد.

وبهذه الطريقة، نصيب عصفورين بحجر واحد: التغذية والجباية، بحجر اللامركزية الواحد، إذ ترتفع إمكانية حماية الشبكة وضبطها، ونحل مشكلة الهدر غير الفني الناتج عن الاستمداد غير الشرعي منها. وتزداد أهمية هذا النموذج في حال الانتقال إلى العدادات الذكية وتنفيذ التبادل الطاقوي مع الشبكة العامة، بحسب ما ينص قانون إنتاج وتوزيع الطاقة المتجددة. فالفائض الناتج عن منطقة معينة يُعاد توزيعه على الشبكة العامة لتفيد منه مناطق أخرى، فيما يُؤمَّن النقص بطريقة معاكسة.

الإيجابيات

الانعكاسات الإيجابية للامركزية الإنتاج والتوزيع، وخصوصاً عبر محطات الطاقة الشمسية أو الهوائية، لا تقتصر مفاعيلها على النتائج الآنية بتوفير الكهرباء، إنما تمتد مستقبلاً لتقلّص النتائج السلبية للممارسات الاقتصادية التي نتجت عن احتكار مؤسسة كهرباء لبنان للإنتاج والنقل والتوزيع. فجمع هذه المهام الكبيرة في يد إدارة فاشلة ينخرها الفساد، من أعلى هرمها الإداري إلى أخمص تسلسلها الإداري، أنشأ قطاع المولدات الخاصة. وانتشار المولدات بقدرات كبيرة على طول خريطة الوطن، وبين المنازل وتحت الأبنية وعلى جوانب الأحياء، كلّف الاقتصاد اللبناني فاتورة سنوية بمليارات الدولارات.

إذا كانت الكلفة المباشرة للمولدات تتمثل في إرهاق جيوب المواطنين بتعرفات تصل اليوم في أغلب المناطق إلى دولار واحد للكيلوواط/ساعة، عدا عن رسم العداد واستحداث رسم جديد للمستفيدين من تركيب وحدات طاقة شمسية، فإن كلفتها غير المباشرة تفوق بأضعاف الكلفة المباشرة. وهي تتركز في ازدياد فاتورة استيراد المازوت بشكل هائل، لتصل إلى 10 ملايين ليتر يومياً، أو ما يعادل 500 ألف صفيحة، تمثل القيمة الأكبر من المستوردات التي تؤثر سلباً على الميزان التجاري، وتالياً ميزان المدفوعات. فيما ترتفع الفاتورة الصحية التي تتحملها الخزينة العامة جراء التلوث الناجم عن دخان المولدات غير المفلتر، وانتشار الأمراض السرطانية وأدويتها المجانية التي تسددها الدولة.

اللامركزية طريق للخلاص

أهمية الانتقال إلى لامركزية الإنتاج والتوزيع تنبع لبنانياً أيضاً من استبعاد الحلول البديلة، مثل استجرار الطاقة من الدول القريبة كقبرص وسوريا وتركيا والأردن، وتكبّد الخزينة تمويلاً هو غير متوفر في الأساس، وتعريض الأمن الطاقوي للاختلال.

الإسراع في وضع المشاعات التي تملكها القرى والدولة في خدمة المستثمرين في الطاقة الشمسية، بحيث يُعفى هؤلاء من تكلفة شراء أو استئجار المساحات اللازمة لاستثماراتهم، هو شرط يفترض أن يتحقق اليوم قبل الغد إذا أردنا الخروج، لمرة واحدة ونهائية، من أزمة الكهرباء، برأي منسق سياسات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المعهد اللبناني لدراسات السوق، غسان بيضون. ويجب أن تترافق هذه الخطة مع سرعة تنفيذ مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وتتكامل مع تكريس الإعفاءات وتسهيل إنتاج الطاقة الشمسية للاستعمال الخاص، بما يتجاوز الـ1.5 ميغاوات التي ينص عليها قانون تنظيم قطاع الكهرباء، فيُعفى قطاع الكهرباء من التهديد المتكرر بالعتمة الشاملة، ومن غيره من المشاكل الأمنية والتعقيدات السياسية التي يمكن أن تترتب عن استمداد الكهرباء أو الغاز من دول خارج الحدود اللبنانية.

شروط إضافية

إضافة إلى كل ما تقدم، يجب الإيمان والعمل بجد وإخلاص على أن أزمة الكهرباء لن تنتهي في لبنان ما لم تتأمّن هذه الشروط:

  • إعطاء البلديات واتحاداتها الصلاحية والحق في التعاقد مع القطاع الخاص لإنتاج وتوزيع الطاقة ضمن نطاقها الجغرافي.
  • فتح باب المنافسة الحقيقية بين المنتجين المحليين، بدلاً من الاعتماد المطلق على خطط مركزية عجزت عن تأمين التغذية.
  • تنظيم قطاع المولدات من خلال دمج وتنظيم أصحاب المولدات الحاليين ضمن أطر قانونية واضحة ومنافسة مشروعة، بدلاً من إلغائهم.
  • الاستفادة من الطاقة المتجددة وتشجيع مشاريع الطاقة الشمسية المتجددة اللامركزية لتخفيف الأعباء عن الشبكة الرئيسية.

الانتقال السريع إلى الإجراءات البديلة لا يتطلب وقتاً طويلاً. وفي الحقيقة، فإن عشرات البلدات اللبنانية، نذكر منها تول ورشميا، انتقلت إلى إنتاج الكهرباء على المستوى البلدي من مشاريع الطاقة الشمسية، والعدد في ازدياد مستمر. وكل ما يجب فعله هو ملاقاتها فعلاً لا قولاً، والشد على يدها، للانتهاء لمرة واحدة ونهائية من أزمة الكهرباء المستفحلة، وفساد مؤسستها المركزية، وفشلها المستعصي.