من زحلة إلى كل لبنان: نموذج يكسر احتكار الكهرباء

تتجدد التساؤلات حول قطاع الكهرباء في لبنان مع اقتراب موسم الصيف وما يرافقه عادة من تصاعد في وتيرة الانقطاعات، بعد سنوات طويلة من الوعود الحكومية المتعاقبة بتأمين تغذية لا تنقطع. وتُحمّل وزارة الطاقة في هذا السياق مسؤولية اتخاذ القرار إلى مجلس الوزراء، في وقت تتجدد فيه الآمال بإصلاح حقيقي يبقى بعيد المنال بفعل استمرار العقلية الإدارية القديمة في التعاطي مع الملف.

تنطلق المعالجات الحالية من حلول بعيدة المدى كاستيراد الكهرباء عبر كابل من قبرص أو إنشاء معامل تعمل على الغاز المصري، فيما تبقى الحاجة الملحّة إلى حلول سريعة تخفف من حدة الأزمة. ويتمثل هذا التوجه العملي في اعتماد لامركزية الإنتاج والتوزيع، وتعزيز المنافسة داخل القطاع، وإشراك القطاع الخاص بالتعاون مع البلديات، إضافة إلى التوسع في الطاقة الشمسية.

ويعود جوهر الأزمة إلى عدم تطبيق القانون الصادر عام 2002، والذي ينص على فصل قطاع الكهرباء إلى ثلاث شركات منفصلة للإنتاج والنقل والتوزيع، وفتح باب التراخيص أمام شركات جديدة. وقد رفضت الحكومات المتعاقبة تنفيذ هذا القانون طوال أكثر من عقدين، وتعمّدت تعطيل تشكيل مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان والهيئة الناظمة، بما أتاح للوزراء التحكم المباشر بقرارات القطاع.

ويُعدّ تعيين الهيئة الناظمة بعد أربعة وعشرين عاماً من التعطيل خطوة إيجابية، وإن رافقتها إشكاليات إدارية أدت إلى استقالة بعض أعضائها، بسبب عدم صرف رواتبهم لأشهر طويلة وغياب الوضوح حول طبيعة عملهم. وتبقى مهمة هذه الهيئة الأساسية مرتبطة بإعادة النظر بالتعرفة وربطها بسعر برميل النفط عالمياً، إذ تكشف الأرقام أن التعرفة الثابتة المعتمدة حالياً تُكبّد الخزينة خسائر كبيرة كلما ارتفعت أسعار النفط عالمياً.

وتتفاقم المشكلة المالية للمؤسسة بفعل ضعف الجباية الذي تجاوز خمسين بالمئة، إضافة إلى الهدر الفني وغير الفني، وغياب الرقابة على النفقات والعقود. ويشكل تجريب نموذج مدينة زحلة، حيث تُقدَّم الخدمة بأجر مقابل تغذية شبه دائمة، مثالاً يمكن تعميمه في مناطق أخرى شرط توفر إطار قانوني واضح يتيح للمواطن حرية اختيار مورد الكهرباء.

ويبقى الرهان الأكبر على ترجمة الرؤية الإصلاحية إلى خطوات تنفيذية فعلية، تبدأ بمعالجة أسباب سوء الإدارة وانعدام الرقابة، قبل اللجوء إلى أي تعديل في التعرفة أو طلب تمويل إضافي من المجتمع الدولي.

اضغط هنا لمشاهدة الحلقة على اذاعة صوت لبنان