استغلال الحرب وارتفاع الإيجارات لانتهاك الملك الخاص.. هل يتكرر سيناريو 1940؟

الإيجارات

مصطلحات جديدة أخرجتها حرب 2026، التي دُفع لبنان إلى آتونها، من بطن الأنظمة الاستبدادية الشمولية. فبحجة المصلحة العامة، عادت المطالبة بـ”تسخير”، إن لم نقل انتهاك، الملك الخاص الذي صانه الدستور. وفي حال عدم اقتناع أصحاب الملك الفارغ، بـ”طيب خاطر”، يُحرِّض المطالبون على معاقبتهم بسيف ضرائب الشغور المرتفعة. ويحثّون البلديات على مخالفة الحق بالتعاقد ووضع سقوف لـ الإيجارات. وإن لم تنفع كل هذه الإجراءات، فعلى المجلس النيابي التدخل بتشريعات لتثبيت عقود الإيجارات لفترة زمنية.

خلافاً لكل ما يحاول البعض تسويقه من استغلال أصحاب الشقق والعقارات لأزمة النزوح من أجل تحقيق أرباح ظرفية توصف بغير الأخلاقية، يبيّن الواقع حقائق مغايرة. فارتفاع أسعار الإيجارات إلى معدلات قياسية وصلت في بعض المناطق إلى 600 في المئة يعود إلى مجموعة من الأسباب الرئيسية:

أسباب ارتفاع أسعار الإيجارات

  • زيادة الطلب بشكل أكبر بكثير من العرض المتوافر. فنزوح أكثر من 1.4 مليون شخص من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت يتطلب وجود ما لا يقل عن 300 ألف وحدة سكنية فارغة في المناطق غير المعرضة للقصف، لمعادلة العرض مع الطلب وعدم التأثير في الأسعار. ويمثل الطب قرابة 22 في المئة من مجمل عدد الأبنية في لبنان، بما فيها المؤسسات العامة والمنشآت الاقتصادية. وفي الأساس تُعد الإيجارات في غرب بيروت وشرقها والكثير من مناطق جبل لبنان مرتفعة أصلاً، حتى من دون وجود مشكلة نزوح.
  • حتى مع التسليم جدلاً بوجود عرض كافٍ لا يوجب رفع الأسعار بناءً على قواعد عمل السوق في الأنظمة الليبرالية، يعمد المالكون إلى احتساب المخاطر المرتبطة بالحرب ضمن تسعير الإيجارات، ما ينعكس ارتفاعاً في البدلات المطلوبة. وهذا الأمر طبيعي ومعتمد. وقد شاهدنا ذلك مع شركات التأمين التي رفعت، في الأيام الأولى، نسبة التأمين على السفن العابرة إلى الخليج من 0.25 في المئة من قيمة السفينة إلى 0.5 في المئة، قبل أن تلغي التأمين كلياً مع ازدياد المخاطر. وحتى بالنسبة إلى الشحنات الواصلة إلى الشرق الأوسط عبر المتوسط، فقد زادت شركات التأمين علاوات المخاطر بقيمة 2000 دولار على مستوعب 20 قدماً، و3000 دولار على مستوعب 40 قدماً، و4000 دولار على البراد.
  • انعدام الثقة بالنظام العام وبقدرته على إعادة الملك إلى صاحبه مع زوال حالة الطوارئ. ولا نتحدث هنا عن خشية المالكين من احتلال ملكهم بالقوة فحسب، إنما أيضاً عن احتمال اتخاذ مجلس النواب أو السلطات المعنية قرارات بتمديد الإيجارات استثنائيا سنة بعد أخرى إلى حين الانتهاء من إعادة البناء وتأهيل المناطق”، بحسب رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات المحامية انديرا الزهيري، فيتحول الايجار من عقد محدد المهلة الزمنية إلى إيجار تملكي يمتد إلى أبد الآبدين.
  • رفع الأسعار عمدا بقصد عدم التأجير، وذلك تماشيا مع المثل القائل “من لا يردي تزيج ابنته، يرفع مهرها”، تضيف الزهيري، ولاسيما أن الإيجارات التي قد تبدأ فصلية أو حتى سنوية لن تلبث أن تطول نظرا للتأخر المتوقع باعادة الإعمار، والعجز عن العودة إلى المناطق المتضررة بسرعة. فعلمية البناء وتأهيل البنى التحتية وإصلاح الاضرار الناجمة عن حرب 2024 لم تبدأ بعد رغم مرور أكثر من عامين. ومن الصعوبة بمكان بحسب زهيري تسريع هذه العملية نتيجة حيث لم تبدأ حتى اليوم عملية إعادة الإعمار بعد العام 2024.
  • عدم وإقرار قوانين مساعدة على غرار الإيجار التملكي، ولاسيما فيما يتعلق بالمباني التي أنشأت بشكل مخصص للتجارة، ولم يتمكن أصحابها من بيع الشقق بسبب الأزمات التي تلاحقت على لبنان في العقد الأخير، وزادت بشكل كبيرة في السنوات الست الأخيرة.

الماضي لا يطمئن

أزمة السكن والإيواء التي يواجهها النازحون تتزامن اليوم مع انتهاء العمل بقانون الإيجارات القديم المستمر منذ 86 عاماً، مع عجز فاضح عن تطبيقه لأسباب تقنية وقانونية متشعبة، وهو الأمر الذي يثير خوف المالكين ويدفعهم إلى رفض تأجير وحداتهم السكنية. فالإيجارات السكنية التي أُبرمت في العام 1940 لمدة عام واحد فقط مُدِّدت عاماً بعد آخر على خلفية الأوزار التي حمّلتها الحرب العالمية الثانية لمختلف الطبقات الاجتماعية. ولم تلبث أن تحولت إلى دائمة مع توالي التشريعات الاستثنائية عاماً بعد عام، وصولاً إلى يومنا الراهن. فمن يضمن للمالك عدم تكرار هذا السيناريو؟ وأي قدرة للدولة على حماية أملاك المواطنين وجنى عمرهم؟

الدستور يصون الملك الخاص

هذا من الناحية الاقتصادية، أما قانونياً فإن مقدمة الدستور تنص بوضوح على أن “النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة”. وصحيح أن المادة 15 منه تجيز انتزاع الملك الخاص لأسباب المنفعة العامة، إلا أن ذلك ليس في كل الأحوال، بل فقط في تلك المنصوص عليها في القانون، وبعد تعويض المالك تعويضاً عادلاً ومسبقاً. وينطبق ذلك بشكل أساسي على شراء الأراضي لتمرير الطرقات أو إقامة المشاريع الكبيرة، ولم يقرّ القانون بانتزاعها لأغراض الإيواء.

الحل بوقف الحرب

الحل لأزمة السكن وتأمين المأوى لا يكون بانتهاك الملك الخاص، إنما بوقف الحرب والسماح بعودة النازحين إلى قراهم ومنازلهم. ومن ثم تحقيق الإصلاحات لجذب المساعدات في عملية إعادة البناء والإعمار. بهذه الطريقة تُحفظ كرامة النازحين وكل اللبنانيين، ويُبعد عن البلد الهش أساساً كأس التفرقة المُرّة مرة جديدة.