ينشغل معشر الاقتصاديين بقياس مؤشر “الناتج المحلي الإجمالي” لبناء تقديراتهم للنمو والازدهار في البلدان. ومن البديهي أنه كلما كبر هذا المؤشر، زادت إمكانية ارتفاع مستويات رفاه الأفراد وقدرتهم على إشباع الحاجات وزيادة الاستهلاك. ومع ارتفاع هذه المؤشرات، ينمو الاقتصاد أكثر وتتوسع منافعه على المجتمع، وهكذا يدخل الاقتصاد في دورة متكاملة من الازدهار والنمو. لكن المفارقة التي بدأت تظهر في سبعينيات القرن المنصرم هي أن زيادة الدخل الفردي والعام لا تؤدي بالضرورة إلى السعادة.
في غضون السنوات القليلة الماضية، انتقل الاهتمام بالسعادة من كونها مؤشرًا يتحقق “دي فاكتو” مع ازدياد الدخل، إلى ضرورة تأمين عناصر أخرى لا تقل أهمية. ويشمل ذلك، بشكل أساسي، الشعور بالأمان والحرية في المجتمع، وما يرافقهما من تعزيز للعوامل الصحية، والعلاقات الاجتماعية، والاستقرار الوظيفي، والثقة بمجتمع داعم خالٍ من الفساد والاحتيال. وقد تُوِّجت هذه الجهود بإصدار الأمم المتحدة، في تموز 2011، قرارًا يدعو الدول الأعضاء إلى قياس مستوى السعادة لدى شعوبها، للمساعدة في توجيه سياساتها العامة، وإصدار تقرير سنوي بالنتائج عبر مختلف الدول. ويستند التقرير إلى مجموعة من المعايير، منها: نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومتوسط العمر المتوقع، والحرية، وكرم الدولة أو المجتمع. كما يأخذ في الحسبان الدعم الاجتماعي ومستوى الفساد في الحكومات والأعمال.
تصنيف لبنان
يبيّن تقرير السعادة العالمي لعام 2025، الصادر حديثًا عن الأمم المتحدة، أن لبنان احتل المرتبة 141 عالميًا، مسجّلًا 3.723 نقطة. كما جاء في المرتبة قبل الأخيرة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا العربية، من بين 18 دولة، متقدمًا فقط على اليمن. وسبقته كلٌّ من جزر القمر ومصر، اللتان احتلتا المرتبتين 136 و139 عالميًا، مسجّلتين 3.925 و3.862 نقطة على التوالي.

قد تبدو النتيجة التي حققها لبنان في تقارير السعادة صادمة للبعيدين قبل الأقربين. فكيف يمكن أن يكون اللبنانيون أقل سعادة من بقية الشعوب العربية، في حين أن تصفح حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، أو مشاهدة البرامج التلفزيونية، أو ملاحظة حركة المطاعم والشواطئ والمنتزهات الجبلية، يوحي بصورة مختلفة تُظهرهم كشعب اجتماعي ومحب للحياة؟
لكن في الواقع، لا يعتمد تقرير السعادة العالمي على الانطباعات العاطفية أو المشاهد اليومية، بل على مجموعة من العوامل القابلة للقياس التي تفسّر مستوى رضا الناس عن حياتهم. وعليه، فإن نصيب الفرد من الناتج المحلي في لبنان تراجع إلى نحو 6 آلاف دولار نتيجة الانهيار الاقتصادي وارتفاع معدلات الانكماش. كما يعاني جزء من اللبنانيين شعورًا متزايدًا بعدم الانتماء، وهو ما يظهر في ارتفاع معدلات الهجرة والرغبة فيها، إلى جانب تراجع الإحساس بالأمان الصحي والوظيفي. ويُصنَّف لبنان ضمن الدول ذات مستويات مرتفعة من الفساد وفقًا لمؤشرات الفساد الدولية، حيث حصل على درجة 23 من 100 واحتل مرتبة متأخرة عالميًا. وعلى الرغم من هامش الحرية الذي يشعر اللبنانيون بوجوده، فإنه يظل محدودًا في القضايا المصيرية، خصوصًا ما يتعلق بالسلم والحرب، حيث تُتخذ قرارات كبرى في فترات مختلفة خارج إطار التوافق الوطني الكامل.
وباختصار، فإن الصورة العامة تشير إلى أن مستوى الرضا عن الحياة لدى اللبنانيين يتأثر بشدة بالعوامل الاقتصادية والمؤسساتية، أكثر مما تعكسه الانطباعات اليومية أو المظاهر الاجتماعية. وانطلاقًا من كون المؤشر لا يقيس “السعادة” بشكل مباشر، بل يقيس الظروف التي تجعل الناس أكثر أو أقل رضا عن حياتهم، فإن هذه الظروف في لبنان ظلت صعبة للغاية منذ عام 2019. ومن الطبيعي، في ظل هذا السياق، أن يُسجَّل انخفاضا في مستويات الرضا عن الحياة مقارنة بالعديد من الدول الأخرى، وفق ما تعكسه مؤشرات تقرير السعادة العالمي.
الأمارات الأكثر سعادة
على صعيد العالم العربي تصدرت الإمارات العربية المتحدة المنطقة (المرتبة 21 عالميًا)، تلتها المملكة العربية السعودية (المرتبة 22 عالميًا) والكويت (المرتبة 40 عالميًا). أما اليمن، فقد احتل المرتبة الأخيرة في الترتيب الإقليمي، حيث جاء في المرتبة 142 عالميًا.
الدول تزداد سعادة
عالميا تتصدر دول الشمال الأوروبي تصنيفات السعادة. ولا تزال فنلندا في الصدارة، تليها ثلاث دول: أيسلندا، والدنمارك، وكوستاريكا في أميركا الوسطى. وتأتي السويد والنرويج ضمن المراكز الستة الأولى، تليها هولندا وإسرائيل ولوكسمبورغ وسويسرا لتُكمل قائمة العشرة الأوائل. ويُمثل صعود كوستاريكا إلى المركز الرابع أعلى تصنيف لها على الإطلاق بين دول أمريكا اللاتينية. وبالنظر إلى التغيرات في مستوى السعادة من الفترة الأساسية 2006-2010 إلى الفترة 2023-2025، نجد أن عدد الدول التي حققت مكاسب كبيرة (79 دولة) يفوق عدد الدول التي شهدت انخفاضات كبيرة (41 دولة) بنحو الضعف، وذلك من بين 136 دولة مُصنفة.
وخلال تلك الفترة، تقع معظم الدول الـ 21 التي حققت مكاسب بمقدار نقطة واحدة أو أكثر على مقياس تقييم الحياة (من 0 إلى 10) في وسط وشرق أوروبا، مما يعكس التقارب في مستويات السعادة الأوروبية الذي كان واضحًا لأكثر من عقد.
أما معظم الدول الثماني التي شهدت انخفاضات بأكثر من نقطة واحدة، فتقع في مناطق نزاعات كبرى أو بالقرب منها. وبشكل عام، فإن معظم الدول الصناعية الغربية أقل سعادة الآن مما كانت عليه بين عامي 2005 و2010. وقد شهدت 15 دولة منها انخفاضات كبيرة، مقارنةً بأربع دول شهدت زيادات كبيرة.
