تعديلات متكررة تقوي إصلاح المصارف وتضعف الثقة بالدولة

إصلاح المصارف

في كل مرة يُعاد فيها إدخال تعديلات جوهرية على قوانين الإصلاحات الاقتصادية خلال فترة زمنية وجيزة، يقفز فورًا إلى بالي قول أحد النواب: إن مشاريع القوانين تدخل البرلمان على شكل “شرائح لحمة”، وتخرج منه “هوت دوغ”. وهذا ما حصل حرفيًا مع قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها المُقَرّ في تموز 2025.

الأجندات السياسية لبعض النواب، المتقاطعة مع مصالح اللوبيات الاقتصادية، والمشوبة أحيانًا بجهل بالمتطلبات الدولية، تُحرّف القوانين عن وجهتها الفعلية، وتُصدرها بشكل مشوّه، مما يفرض إعادة تعديلها أكثر من مرة. ولم يقتصر الأمر على إعادة هيكلة المصارف، بل طال أيضًا قوانين السرية المصرفية والشراء العام وغيرها العديد من القوانين. ولا ننسى الموازنات، التي تُقدّم خير مثال على كيفية التعامل مع القوانين المالية.

ضمان الاستقلالية والشفافية

التعديلات على قانون إصلاح المصارف كانت ثمرة أكثر من 85 ساعة من البحث بين فريقي وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، للخروج بقانون عصري يلبي متطلبات المرحلة ويمهّد للتعاون مع الصندوق. و”لم يكن بالإمكان تجاهل ملاحظات الصندوق حول القانون، إن كنا نسعى لعقد اتفاق معه”، تقول مصادر وزارة المالية، “ذلك أن دور صندوق النقد لن يقتصر على إعطاء دفعة نقدية لدعم ميزان المدفوعات فحسب، بل هو أيضًا بمثابة جواز سفر يتيح للبنان الدخول إلى أماكن التمويل والتعاون الدولية، بعد سنوات طويلة من العزلة نتيجة التأخر في تنفيذ الإصلاحات”.

أبرز التعديلات

التعديلات طالت 36 مادة من أصل 37 مادة يتألف منها القانون، ولم تستثنِ سوى المادة الأخيرة (37)، التي تُعلّق تنفيذ القانون بعد صدوره إلى حين إقرار ونشر قانون “الانتظام المالي واسترداد الودائع” (قانون الفجوة). مع الإشارة إلى أن العديد من الجهات الدولية تضغط للبدء بتطبيق قانون هيكلة المصارف فورًا، للمساعدة في تحقيق الشمول المالي والتخفيف من حدة الاقتصاد النقدي المتفشي، الذي يُعد بيئة حاضنة لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب. ولا سيما أن قانون الفجوة المالية سيكون عرضة للأخذ والرد، وقد يتطلب الوصول إلى صيغته النهائية سنوات طويلة.

التعديلات الأساسية، التي ستكون محل جدل في الأيام القادمة، تتعلق بالمادتين 3 و13 بشكل خاصة والمواد 5 و7 و16 بشكل عام. وهذه المواد ترتبط بشكل جوهري بضمان استقلالية الهيئة المصرفية العليا المسؤولة عن تقرير مصير المصارف، وإزالة عراقيل مثل حق الطعن، الذي كان ممنوحًا للمصارف في النسخة السابقة، وإلغاء ازدواجية التدقيق بين الهيئة المصرفية العليا ولجنة الرقابة على المصارف. إضافة إلى التأكيد على الحد من استخدام الأموال العامة في عمليات إنقاذ المصارف. في المقابل، انحسرت التعديلات على بقية المواد في الشق التقني، من خلال حذف جملة هنا وإضافة أخرى هناك.

فيما يخص المادة 3، فقد لحظ التعديل مواءمة تطبيقها مع المعايير الدولية، وليس فقط مع قانون النقد والتسليف. أما المادة 7، المتعلقة ببدء عملية إصلاح أوضاع المصارف أو تصفيتها، فقد أزالت التعديلات ازدواجية الأدوار بين لجنة الرقابة على المصارف والهيئة المصرفية العليا. كما سمحت، في حال تعذّر إعداد تقييم مستقل عاجل، باتخاذ الهيئة القرار النهائي استنادًا إلى تقرير لجنة الرقابة فقط، إذا كان وضع المصرف يستدعي السرعة حفاظًا على موجوداته وحقوق المودعين.

ومن التعديلات المهمة التي أعاد القانون تكريسها، رغم نقضها سابقًا من المجلس الدستوري بناءً على الطعن المقدم من كتلة لبنان القوي، وقف المصرف الذي يثبت تعثّره عن العمل فورًا، بناءً على التقييم وقبل صدور الحكم. وكان المجلس الدستوري قد أبطل هذه المادة سابقًا، رغم وجود تقييمَي لجنة الرقابة على المصارف والهيئة المصرفية العليا. وترى أوساط وزارة المالية أن ذلك لم يكن منطقيًا، إذ لا يجوز الإبقاء على مصرف متعثر وتعريض أصوله ومودعيه للخطر لسنوات إلى حين صدور الحكم.

كما طال التعديل المادة 13، التي تجيز للهيئة المصرفية العليا، وبموافقة ثلثي أعضائها، طلب إصدار التعاميم اللازمة من مصرف لبنان لتطبيق هذا القانون وتنظيم إجراءاته.

ولم تقتصر التعديلات على هذه النقاط، بل شملت أيضًا دور الهيئة المصرفية العليا، وهي أعلى سلطة منصوص عليها في القانون. وتتألف من غرفتين: الأولى تنظر في أوضاع المصارف، والثانية تقريرية، وكلتاهما برئاسة حاكم مصرف لبنان. وقد عُدّلت المادة 16 لإدخال تغييرات جوهرية على مهام هذه الهيئة، لا سيما في الغرفة الثانية، حيث فُرض أن يكون الخبير الاقتصادي مستقلًا عن أي جهة حكومية أو مصرفية. كما أُزيل تمثيل مؤسسة ضمان الودائع من هذه الغرفة، انطلاقًا من اعتبار صندوق النقد الدولي أن هذه المؤسسة خاضعة لسيطرة جمعية المصارف.

ومن بين التعديلات البارزة أيضًا ما ورد في المادة السابعة، التي تسمح للهيئة المصرفية العليا، في حال تعذّر إجراء تقييم مستقل بشكل عاجل، باتخاذ القرار استنادًا إلى تقييم لجنة الرقابة على المصارف.

موقف مصرف لبنان

وقبل إقرار التعديلات على القانون في مجلس الوزراء، وبعد توافقها مع متطلبات صندوق النقد الدولي، عُرضت المسودة على مصرف لبنان، فأبدى الأخير موافقته على معظم النقاط، باستثناء المادتين 3 و13. “مع العلم أن التعديلات على هاتين المادتين لا تنتقص من دور مصرف لبنان أو حاكمه”، برأي المحامية المتخصصة بالشأن المصرفي دينا أبو زور. فـ”طلب الهيئة المصرفية العليا من المصرف المركزي إصدار تعاميم لمعالجة أوضاع المصارف يصب في إطار صلاحيات الحاكم، بصفته رئيس الهيئة المصرفية العليا وحاكم المصرف المركزي، إضافة إلى وجود اثنين من نوابه في الهيئة، ومدير عام وزارة المالية، ما قد يتيح تشكيل أكثرية الثلثين لتمرير أو تعطيل قرارات إصدار التعاميم”.

إهانة للدولة!

في المقابل، ترى أوساط حقوقية واقتصادية بارزة أن هذه التعديلات تمثل خسارة كبيرة لمصداقية الدولة، وإهانة لها. فمشروع القانون أُقر في مجلس الوزراء، ودُرس في اللجان، وأُقر في الهيئة العامة، بل وثبّته المجلس الدستوري بعد النظر فيه، مع تعديل بعض المواد وتعليق أخرى. ومن الناحية الدستورية، فإن قرارات المجلس تتمتع بقوة القضية المحكوم بها، ولا يجوز إعادة النظر فيها أو نقضها بعد البتّ بها.

رغم موافقة الحكومة على التعديلات، فإنها تبقى غير نهائية، إذ من الممكن تغييرها مجددًا في اللجان النيابية أو في الهيئة العامة. وهذا ما قد لا يتوافق مع متطلبات صندوق النقد الدولي، الذي يشدد على ضرورة أن تكون القوانين مُقرّة بشكل نهائي من السلطات اللبنانية كافة، أي الحكومة ومجلس النواب والمجلس الدستوري، لا أن تقتصر الموافقة على الحكومة فقط.

الكرة اليوم في ملعب مجلس النواب، فإما إقرار القانون وفق التعديلات المتوافق عليها مع صندوق النقد، أو المضي في مزيد من المماطلة وإدخال تعديلات جديدة قد تفرغه من مضمونه، ما يعيد الأمور إلى دائرة التسويف في ما يخص الاتفاق مع صندوق النقد الدولي.