يوحي تصنيف “موديز” الأخير للواقع الائتماني في لبنان: C stable، بأن الوضع الاقتصادي بات أكثر استقرارًا ويتجه نحو التحسن. ففي النظام التعليمي القائم على التقييم بالحروف، يُعتبر تقدير C ناجحًا، ويدل عادةً على مستوى مقبول أو متوسط. إلا أن الأمر يختلف جذريًا لدى شركات التصنيف الائتماني، إذ يُعدّ تصنيف C لدى “موديز” من أسوأ التصنيفات الممكنة. وهو يوازي تصنيف RD (Restricted Default) لدى “فيتش”، وتصنيف SD (Selective Default) لدى “ستاندرد آند بورز”. وتعني هذه التصنيفات الثلاثة أن لبنان لا يزال في مرحلة التعثر الانتقائي عن سداد الدين العام.
عادةً ما تسعى الدول إلى الخروج من التصنيفات الائتمانية السلبية، أو حتى المتدنية، وتبذل جهودًا للتدرج صعودًا نحو أعلى التصنيفات، وفي مقدّمها تصنيف “تربل A” (AAA)، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية:
- تسهيل الوصول إلى الأسواق المالية والقدرة على إصدار أدوات التمويل بشروط أفضل.
- خفض كلفة الاقتراض والفوائد المترتبة على الديون.
- تحفيز الاستثمارات، نظرًا لما يعكسه التصنيف المرتفع من جدارة ائتمانية وثقة بالاقتصاد.
تعثر إعادة الهيكلة
في لبنان، يحصل العكس. فمنذ الإعلان عن التعثر غير المنظم عن سداد الديون بالعملة الأجنبية (اليوروبوندز) في 7 آذار 2020، لم تُتخذ أي خطوات جدية، سواء مباشرة أو غير مباشرة، لتحسين التصنيف الائتماني. وخلال السنوات الست الماضية، لم يُعقد سوى اجتماعين مع حاملي السندات: الأول نُظّم عبر شركة الاستشارات المالية “لازارد” بواسطة تقنية الاتصال بالفيديو في أيار 2022، والثاني عُقد مؤخرًا على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، وبشكل غير رسمي.
نجا لبنان بـ”أعجوبة دبلوماسية” في العام الماضي من احتمال تقدم حاملي سندات اليوروبوندز بدعوى ضده أمام محاكم نيويورك، إذ كان الدائنون سيخسرون حقهم في المطالبة بالفوائد المستحقة بعد مرور خمس سنوات، في حال لم تبدأ إجراءات تفاوض جدية لإعادة الهيكلة. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة المالية عن «إبرام ملحق لاتفاقية الوكالة المالية لسندات اليوروبوندز الصادرة عن الجمهورية اللبنانية، بما يعكس تعليق حق الدولة في التذرع بدفوع مرور الزمن والمهل التعاقدية والقانونية وفقًا لقانون ولاية نيويورك، وذلك لغاية 9 آذار 2028، تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء رقم 30 تاريخ 7/1/2025».
هذا بالشق المباشرة المتعلق بإعادة هيكلة الديون، أما في الشق غير المباشر، فإن التوصل إلى تسوية مع الدائنين يتطلب إقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المصطلح على تسميته “الفجوة المالية”، بما يتيح للدولة تحديد ما لها وما عليها بشكل واضح. ومن البديهي أنه كلما تحمّلت الدولة مبالغ أكبر لردم الفجوة المالية المقدّرة بنحو 76 مليار دولار، تراجعت قدرتها على السداد للدائنين الدوليين. وبحسب مشروع القانون الأخير، فإن المبلغ الذي ستتحمّله الدولة يبلغ نحو 16.5 مليار دولار، وهو رقم يواجه اعتراضًا كبيرًا من صندوق النقد الدولي، الذي يُعدّ بدوره جهة دائنة محتملة.
طالما إعادة هيكلة اليوروبوندز معلقة، ستبقى الجدارة الإئتمانية للبنان منخفضة. وما يحول لغاية الآن دون السقوط إلى التصنيف D الذي يعني التخلف الكامل عن سداد الديون، هو استمرار لبنان بدفع سندات الليرة والديون بالعملة الأجنبية للمؤسست الدولية وفي طليعتها البنك الدولي. إلا ان هذا الواقع لا يزداد صعوبة وتعقيدا فحسب، أنما يعكس تقنياً بأن الخسائر التي يتكبدها حاملو السندات من المرجح أن تتجاوز 65 في المئة.
الأعباء تتزايد
تأجيل إعادة هيكلة الديون منذ عام 2022 لم يُبقِ التصنيف الائتماني للبنان سلبيًا فقط، بل جعله أكثر تعقيدًا وصعوبة من حيث إمكانية الخروج منه في المدى القريب، وذلك لسببين أساسيين:
- الأول، ارتفاع القيمة الفعلية لسندات اليوروبوندز في الأسواق الدولية من حدود 6 سنتات للدولار في 2022 إلى نحو 27 سنتًا حاليًا. ومن المرجح أن ترتفع أكثر في حال التوصل إلى تسوية إقليمية وت في المسارات التفاوضية غير المباشرة مع إسرائيل. هذا التطور من شأنه أن يعزز موقف حاملي السندات ويشجعهم على المطالبة بشروط تسوية أكثر تشددًا، ما يرفع الكلفة المحتملة على الدولة.
- الثاني، ازدياد الدين العام اللبناني بأكثر من 4 مليارات دولار بين 2022 و2026، نتيجة قروض من البنك الدولي بنحو ملياري دولار، إضافة إلى فاتورة بمستويات مماثلة لتأمين فيول الكهرباء. وإذا ما أُضيفت ديون أو التزامات محتملة مرتبطة بتعويضات أو خسائر ناجمة عن الحرب خلال الفترة 2024–2026، والتي تُقدّر بأكثر من 34 مليار دولار، خصوصًا في ظل غياب مؤشرات واضحة على تدفق مساعدات دولية كبيرة، فإن الأعباء المالية على الدولة تصبح ثقيلة جدًا، ما يجعل الدخول في مفاوضات ناجحة مع حاملي السندات أكثر تعقيدًا.
يُقال في الحكم: “لا تؤجلوا عمل اليوم إلى الغد”، فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركتكم الأعمال، فلم تدروا أيّها تأخذون، فأضعتموها. وهذا ما حصل في لبنان، حرفيًا. ففي حين كان بالإمكان في عام 2022 التفاوض على إعادة شراء جزء كبير من الدين الخارجي بأقل من ملياري دولار، وتحسين التصنيف الائتماني، أصبحت كلفة إعادة الهيكلة اليوم أعلى بكثير. إذ تُقدَّر كلفة التسوية حاليًا بما يتجاوز 8 مليارات دولار، إذا احتُسب أصل الدين وفق سعر تداول يقارب 27 سنتًا للدولار وموافقة حاملي السندات على هذا المستوى. أما في حال الرفض أو التعثر في التوصل إلى اتفاق، فإن كلفة إعادة الهيكلة قد تتجاوز 10 مليارات دولار، وهو عبء إضافي كبير يضاف إلى الأعباء المالية القائمة على الدولة.
