وهم إصلاح مؤسسة كهرباء لبنان (1/4) خطط تعد بالأرباح.. لكنها تعجز عن تأمين الكهرباء

الكهرباء

 

ما هي مشكلتكم مع “الكهربا”؟ سؤال سؤال الذي يتكرر، بصيغة أقرب إلى الاتهام، كلما وُجِّه نقد إلى واقع قطاع الكهرباء، أو جرى التذكير بماضيه، أو التشكيك في الوعود التي تُطلق بشأن مستقبله.

ببساطة، نفقات الجهة المحتكرة لهذه الخدمة أكبر بكثير من إيراداتها على مدى سنوات طويلة. والإصرار على استمرارها كمؤسسة عامة، وتعمد تمويلها بالديون، لم يفاقم مشاكلها وحدها، بل كان سببًا رئيسيًا في الانهيار الاقتصادي وتضييع أموال المودعين. ورغم الفشل الذريع الذي كان يحتّم إقفالها منذ زمن، تجري محاولات تدعيمها بـ«خطط استرداد التكاليف» الوهمية، والإيحاء بإمكانية تحقيق الأرباح بعد سنوات، من دون أن يعني ذلك، بالطبع، أمرين محوريين: الوصول إلى تغذية كهربائية على مدار 24 ساعة، كما يفترض المنطق، واحتساب كامل الديون والنفقات المؤجلة في المؤسسة.

خطة استرداد التكاليف

قبل نهاية العام الماضي، وضعت مؤسسة كهرباء لبنان خطة لاسترداد التكاليف حتى العام 2030. وتوحي الخطة بأن المؤسسة ستتحول إلى رابحة بمجرد تحقيق ثلاثة عناصر أساسية:

  • تخفيض الهدرين الفني وغير الفني، المحددين بحسب الخطة بـ40% في العام 2025.
  • تسديد ديون القطاع العام، البالغة 242 مليون دولار منذ اعتماد التعرفة الجديدة، وعدم التأخر في تسديد المستحقات السنوية التي تصل إلى 120 مليون دولار.
  • تسديد المتأخرات المترتبة على المخيمات الفلسطينية، البالغة 75 مليون دولار، والاستمرار في دفع الفواتير السنوية.

زيادة الإيرادات والانتاج

في هذه الظروف، سترتفع إيرادات المؤسسة من 846 مليون دولار في العام 2025 إلى مليار و235 مليون دولار في العام الحالي، أي بزيادة 31.5% في أول عام. في حين لا تزيد، على مدى السنوات الخمس اللاحقة، إلا بنحو 29% لتصل في العام 2030 إلى مليار و605 ملايين دولار.

 

الكهرباء
تطوير الإيرادات لغاية 2030 المصدر: خطة استرداد التكاليف

في المقابل، سيزيد الإنتاج من حدود 650 ميغاواط في العام 2025 إلى 1013 ميغاواط في العام 2028، ويستقر عند هذا المستوى حتى العام 2030، من دون إمكانية تحقيق أي زيادة إضافية في الإنتاج، بحسب ما تظهره الجداول.

التغذية لن تتجاوز ثلث الحاجة

والتسليم، جدلًا، بتحقيق كل الإيرادات المرجوة، لن يمكّن مؤسسة الكهرباء من توفير أكثر من ثلث حاجة المواطنين والاقتصاد، إذ تتجاوز الحاجة الإجمالية في وقت الذروة 3500 ميغاواط.

أكثر من ذلك، فبحسب التوقعات، سيزداد عدد المشتركين بنحو 8% حتى العام 2030، من نحو مليون و515 ألف مشترك في العام 2025 إلى نحو مليون و636 ألفًا في العام 2030. ومع بقاء حجم الإنتاج ثابتًا، فإن ذلك يمثل خسارة فعلية لا تقل عن 80 ميغاواط، ما يعني أن الإنتاج الفعلي، وليس الاسمي، في العام 2030 لن يكون 1013 ميغاواط، بل نحو 930 ميغاواط.

الكهرباء
تطوير التكاليف لغاية 2030 المصدر: خطة استرداد التكاليف

ولن تقف الأمور عند هذا الحد، إذ سترتفع التكاليف بنسبة أعلى من زيادة الإنتاج. ففي الوقت الذي ستزيد فيه القدرة المنتجة فعليًا من نحو 650 ميغاواط إلى نحو 930 ميغاواط، أي بنسبة تقارب 43%، سترتفع كلفة الإنتاج من 930 مليون دولار إلى 1.5 مليار دولار، أي بنحو 61%. كما سترتفع الكلفة السنوية لكل ميغاواط من القدرة المتاحة من 1.4 مليون دولار إلى نحو 1.6 مليون دولار، في حين تدور الكلفة الاستثمارية في كثير من المعامل الحديثة التي تعمل أساسًا على الفيول، مع مساهمة محدودة للطاقة المتجددة، حول مليون دولار للميغاواط.

إن رفع التعرفة إلى ما يفوق المتوسط العالمي، وتحسين الجباية، وتخفيف الهدر، لن يؤمّن الكهرباء من مؤسسة كهرباء لبنان لأكثر من ثماني ساعات يوميًا بحلول العام 2030، وسيضطر المواطن إلى الاعتماد على كهرباء المولدات لتغطية الساعات الست عشرة المتبقية، بكلفة مرتفعة جدًا.

فهل فعلًا مؤسسة كهرباء لبنان قابلة للإصلاح؟ وإذا كانت الإيرادات بلغت الحد الأقصى الممكن من جهة التعرفة، فأين تكمن المشكلة؟ وما هو الحل؟ هذا ما سنتابعه في التحقيقات اللاحقة.