بدأت سلاسل الوجبات السريعة، وفي مقدمتها «ماكدونالدز»، توجّه اهتمامها فجأة نحو الخيارات الأخف. ولا يعود ذلك بالضرورة إلى حرص على صحة المستهلكين، بل إلى تحوّل في السوق فرضه الانتشار الواسع لأدوية التنحيف وتراجع إقبال الزبائن على الوجبات السريعة، ما جعل مبيعات هذه الشركات تهتزّ.
تشير البيانات إلى أنّ العائلات التي تستخدم هذه الأدوية تخفّض إنفاقها في مطاعم الوجبات السريعة بنحو 8%. غير أنّ «ماكدونالدز» ترفض خسارة هذه الشريحة، فتعلن أنّ أكثر من 80% من عائلات مستخدمي هذه الأدوية ما زالت تزورها. ومع بلوغ نسبة المستخدمين نحو 11% من البالغين، سارعت الشركة إلى تعديل خططها، فتسعى إلى الاستحواذ على 1.5% إضافية من حصة السوق عبر وجبات خفيفة وغنية بالبروتين.
يستحضر هذا التحوّل تجربة شركات التبغ، إذ اتجهت إلى السجائر الإلكترونية، المروَّج لها بوصفها أقل ضرراً، حين تزايد الوعي بمخاطر التدخين وتراجع الإقبال على السجائر التقليدية. والفكرة واحدة: كلما ارتفع وعي المستهلك، غيّرت الشركات أقنعتها كي تبقى الأرباح في الجيب نفسه.
مرونة القطاع الخاص واستجابته للسوق
تتمتع الشركات، ولا سيما في القطاع الخاص، بمرونة كبيرة تتيح لها الاستجابة السريعة لتغيّرات السوق، وقد التقطت مطاعم الوجبات السريعة التحوّلات الاستهلاكية بسرعة وبدأت تنسجم معها. وقد ظهرت الوجبة السريعة، الغنية بالدهون والزيوت والأطعمة المعالجة، في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته مع توسّع الضواحي الأمريكية وانتشار السيارة، إذ ظهرت الحاجة إلى وجبات تُؤكل أثناء التنقل. واستمر هذا النمط طويلاً حتى تسعينيات القرن الماضي أو مطلع القرن الحالي، ثم بدأ يتبدّل مع بروز أنماط استهلاكية تشدّد على الصحة واللياقة البدنية، وتوسّعت هذه الأنماط توسعاً كبيراً في الآونة الأخيرة.
دفع ذلك السلاسل إلى تغيير طريقة التقديم والمكوّنات من دون التخلي عن الفكرة الأساسية، أي وجبة سريعة تُؤكل في السيارة وتناسب نمط الحياة اليومية. فأصبحت الوجبات أغنى بالبروتين وأصغر حجماً، ولا تؤثر فيزيولوجياً، على غرار الدهون المشبعة، في من يتناولون أدوية إنقاص الوزن، إذ إنّ هذه الدهون قد تثير الغثيان. كما تساعد البروتينات على الحفاظ على الكتلة العضلية. ويُتوقع أن يشمل هذا التحوّل معظم مطاعم الوجبات السريعة حول العالم.
الأرقام ورغبات المستهلكين
تلحق الشركات بأمرين: رغبات المستهلك ومعطيات الأرقام. فقد ارتفعت نسبة مستخدمي أدوية التنحيف في الولايات المتحدة من 3% في عام 2024 إلى 11%، وتفيد تقديرات بأنّ 15% جرّبوها مرة واحدة على الأقل. ويدل ذلك على اتجاه نحو مزيد من التوسع في إنتاج هذه الأدوية، وبالتالي تراجع الطلب على الوجبات السريعة. وفي المقابل، انخفض معدل السمنة من نحو 40% من المواطنين في عام 2024 إلى قرابة 36% بعد انتشار هذه الأدوية، ما يعني أنّ شريحة أكبر ستتجه إلى الوجبات الصحية.
هل يكفي وصف «غني بالبروتين» ليكون المنتج صحياً؟
لا يكفي ذلك، ويمكن اعتبار الأمر تضليلاً للمستهلك إذا أُغفلت العوامل الأساسية الأخرى، كالكمية وعدد السعرات الحرارية ونوع الزيوت المستخدمة. فليس كل منتج بروتيني صحياً، إذ توجد بروتينات اصطناعية وأخرى مقلية بالزيوت المشبعة وأطعمة شديدة المعالجة. وتتشابه هذه الحالة مع مثال السجائر الإلكترونية، فالاستراتيجية تقوم على تغيير الرسالة الإعلانية أكثر مما تقوم على تغيير المنتج فعلياً. وهي رسالة تسويقية تتلاءم مع تبدّل سلوك المستهلكين، وتقدّم لهم ما يطلبونه حفاظاً على الاستمرارية والأرباح، ولا سيما أنّ المستقبل يسير في هذا الاتجاه مع تزايد أعداد النوادي الرياضية والترويج للرياضة والغذاء الصحي والغني بالألياف عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
حدود هذا التحوّل
يتوقف مدى قدرة الخيارات الجديدة على تغيير الصورة التقليدية للوجبات السريعة على عوامل عدة، أهمها جودة الطعام المقدَّم وقدرة الشركات على الاستمرار في تقديمه، إضافة إلى استدامة النمط الاستهلاكي القائم على الاهتمام بالصحة. ويبرز هنا عجز عالمي في إنتاج البروتينات يقابل تزايد الطلب، إذ يحتاج كل كيلوغرام من اللحم إلى نحو 15 ألف أو 16 ألف لتر من المياه، وفي ظل التغيّرات المناخية يتفاقم نقص المياه، ما يعني نقصاً في البروتينات وارتفاعاً في أسعارها. ولذلك ركّزت الوجبات في تسعينيات القرن الماضي وما قبلها على الحبوب والنشويات لأنها الأرخص ثمناً. وإذا لم يتوفر منتج لحوم بسعر معقول في مطاعم الوجبات السريعة، فلن يكبر الطلب عليه، وسيعود الناس إلى الوجبات التقليدية الأرخص والأغنى بالدهون المشبعة، والتي تملأ المعدة لفترة أطول.
يبقى العامل الأهم استمرار هذه الموجة وقدرة السوق على توفير اللحوم والبروتينات بالكميات الكافية والأسعار المناسبة. ولا يمكن، في ضوء هذه العوامل، تحميل الشركات مسؤولية صحة الأفراد، فالمستهلك يتحمّل جزءاً من هذه المسؤولية، والشركات تلبّي رغباته وتتكيّف مع تحوّلاته.
