تؤكد القراءة الاقتصادية أن رفع الحد الأدنى للأجور لم يكن في أي مرحلة من تاريخ لبنان حلاً لمشكلة الفقر والعوز. يستحيل رفع المداخيل في اقتصاد لا ينتج، لأن أي زيادة غير مقترنة بالإنتاجية تقود مباشرة إلى التضخم. يعاني الاقتصاد اللبناني أصلاً من تضخم بنيوي لا يرتبط بالظروف الإقليمية والعالمية وحدها. تظهر الأرقام الرسمية أن التضخم ارتفع إلى مستويات تفوق بكثير ما سجلته الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ويرجَّح أن يكون التضخم الفعلي أعلى من الأرقام المعلنة.
تتعدد أسباب هذا الواقع. ينعدم التنافس في الاقتصاد وتنتشر الاحتكارات، ولا تُطبَّق القوانين الأساسية الصادرة لمكافحة الفساد. عادت القطاعات الاقتصادية بعد الأزمة إلى التسعير بمستويات ما قبل عام 2019، في حين لم تزد المداخيل. تغيب كذلك الأداة التقليدية لمواجهة التضخم، أي رفع أسعار الفائدة، بسبب شلل القطاع المصرفي. لذلك يُخشى أن تؤدي أي زيادة غير محسوبة في الأجور إلى نتائج سلبية، كما حدث بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، حين ارتفعت الأسعار وساءت أوضاع الموظفين والعمال أكثر.
تكشف الأرقام فجوة كبيرة بين الحد الأدنى المصرَّح عنه والمداخيل الفعلية. يبلغ الحد الأدنى للأجور نحو 310 دولارات، وهو الرقم الذي تصرّح به المؤسسات للضمان الاجتماعي، بينما لا يقل متوسط الدخل في القطاعين العام والخاص عن 700 دولار. يبقى هذا المبلغ غير كافٍ، إذ تشير دراسة للدولية للمعلومات إلى أن الأسرة المؤلفة من أربعة أشخاص تحتاج إلى نحو 1331 دولاراً شهرياً لتأمين متطلباتها الأساسية دون رفاهية أو ادخار. يقدَّر الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة بنحو 500 دولار شهرياً، بحسب برنامج التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.
يقترح الحل مسارين: إصلاح القطاع العام وإصلاح القطاع الخاص. تشكل رواتب القطاع العام نحو 56% من الإنفاق العام في الموازنة، في حين لا يتجاوز المتوسط العالمي 20%. يُموَّل هذا العبء من جيوب المواطنين عبر ضرائب ورسوم غير مباشرة، فيقع العبء الأكبر على الشريحة الأفقر. يتطلب الإصلاح تخفيض أعداد الموظفين، ورفع سن التقاعد للحد من التوظيف الجديد، ووضع توصيف وظيفي واضح يحدّ من تراكم المواقع غير الضرورية ذات الرواتب والتقديمات المرتفعة. يبقى هذا المسار مقروناً بالانتباه إلى أن بعض الدول، مثل فرنسا، خفّضت سن التقاعد لإفساح المجال أمام الشباب.
يشمل إصلاح القطاع الخاص مكافحة الاحتكارات وفتح قطاعات النقل والكهرباء والمياه والاتصالات أمام المنافسة. يدفع المواطن اليوم ثلاث فواتير أو أربعاً لتأمين هذه الخدمات. يوفّر تطبيق القوانين القائمة، وفي مقدمتها القانون 462 للكهرباء والقانون 431 للاتصالات، خدمات أفضل بكلفة أقل ويخفف الأعباء عن المواطنين.
تواجه المؤسسات الخاصة بدورها ضغوطاً كبيرة. تصرّح معظمها بحد أدنى للأجور يقارب 300 دولار، لكنها تدفع فعلياً أكثر منه على شكل مساعدات خارج أساس الراتب. تنتظر المؤسسات دخول قانون التقاعد والحماية الاجتماعية حيز التنفيذ خلال عام على الأكثر، وهو يلزمها بتصفية تعويضات موظفيها. تضاعفت هذه المبالغ عشرات المرات نتيجة انهيار سعر الصرف، فتجد المؤسسات نفسها أمام خيارين: صرف الموظفين أو الإقفال. لذلك يجب إيجاد تسوية لهذه التعويضات قبل أي زيادة في الحد الأدنى للأجور.
يزيد من صعوبة الوضع أن الاقتصاد منكمش. لم تتجاوز الاستثمارات الإجمالية 30 مليون دولار منذ عام 2024، وخرج نحو 25% من الأراضي الزراعية من الخدمة بفعل الحرب، وأقفلت نحو 10% من المؤسسات. تراجعت الصادرات بأكثر من 15% عن العام الماضي، وتعجز المؤسسات عن الحصول على قروض لتطوير أعمالها بسبب شلل القطاع المصرفي. يشكّل إصلاح القطاع المصرفي وفتح القطاعات أمام المنافسة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الطريق الأسلم لزيادة المداخيل دون تحميل الاقتصاد والمواطنين أعباء إضافية.
