أكد وزير المالية ياسين جابر أن لبنان يمرّ بواحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخه الحديث نتيجة الحرب المستمرة وما خلّفته من تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة، مشدداً في الوقت نفسه على أن التزام الدولة اللبنانية بمسار الإصلاح والتعافي لا يزال ثابتاً، وأن برنامجاً مدعوماً من صندوق النقد الدولي يشكل ركيزة أساسية لاستعادة الثقة وتحقيق النمو المستدام.
وجاءت مواقف جابر خلال مشاركته في أعمال القمة المصرفية والاقتصادية العربية الأوروبية 2026 المنعقدة في العاصمة الفرنسية باريس برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تحت عنوان «نحو توازن اقتصادي ومالي عالمي جديد»، والتي ينظمها اتحاد المصارف العربية بالتعاون مع الفدرالية المصرفية الفرنسية.
وشكلت القمة منصة للحوار بين القيادات المالية والمصرفية وصناع القرار من الدول العربية والأوروبية، بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي واستكشاف فرص جديدة للشراكة والاستثمار، في ظل التحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم.
وفي كلمته، أشار جابر إلى أن الاقتصاد العالمي يمرّ بمرحلة تحولات عميقة تتجلى في إعادة تشكيل التحالفات الدولية وتزايد تجزئة التدفقات التجارية والمالية، إضافة إلى تنامي المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمار. وقال إن هذه المتغيرات لا تقتصر على كونها اتجاهات عالمية، بل تنعكس بشكل مباشر على الاقتصادات الوطنية والأنظمة المالية وآفاق التنمية، لا سيما في الدول الواقعة عند تقاطع المصالح الاقتصادية بين أوروبا والعالم العربي.
ورأى وزير المالية أن أمن الطاقة أصبح عاملاً أساسياً في الاستقرار الاقتصادي والمالي، مشيراً إلى أن اضطرابات الإمدادات وتقلبات الأسعار تساهم في زيادة معدلات التضخم والضغوط المالية، وتشكّل تحدياً إضافياً للدول المستوردة للطاقة ومنها لبنان. ودعا إلى الاستثمار في تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز مشاريع الربط الإقليمي، وتطوير الطاقة المتجددة، وبناء بنى تحتية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، معتبراً أن التحول في قطاع الطاقة بات ضرورة اقتصادية ومالية وجيوسياسية وليس مجرد خيار بيئي.
كما شدد على أهمية تعزيز التعاون الأوروبي المتوسطي والأوروبي العربي، ليس فقط كإطار للتكامل الاقتصادي، بل أيضاً كمنصة لتحقيق الاستقرار الإقليمي وحماية الاستثمارات وتعزيز القدرة الجماعية على الصمود في مواجهة الصدمات. وقال إن منطقة البحر الأبيض المتوسط يجب أن تبقى جسراً للتواصل والتجارة والاستثمار والتعاون في مجالات الطاقة والتمويل، بدلاً من أن تتحول إلى خط فاصل بين الأزمات.
وعن الوضع اللبناني، أوضح جابر أنه كان يفضّل الحديث عن التقدم المحقق في مسار الإصلاحات واستعادة الثقة وإعادة بناء المؤسسات، إلا أن الواقع يفرض التوقف عند التداعيات الكبيرة للنزاع المستمر. وأشار إلى أن الحرب فرضت أثماناً بشرية واقتصادية باهظة، حيث تحولت قرى بأكملها إلى ركام، واقتُلعت مجتمعات من أراضيها، وتعرض مئات الآلاف للنزوح، فيما دُمّرت منازل ومدارس وبنى تحتية وتضرر جزء من التراث الثقافي، إلى جانب تعطل الأنشطة الاقتصادية وتعرض المالية العامة لضغوط غير مسبوقة.
وأكد أن الخسائر لا تقتصر على الأضرار المادية فحسب، بل تشمل كلفة إنسانية عميقة تتمثل في فقدان الأرواح وسبل العيش والشعور بالأمان والاستقرار. ورغم ذلك، شدد على أن الشعب اللبناني أثبت قدرة كبيرة على الصمود، وأن الحكومة تواصل العمل على تعزيز الحوكمة وتنفيذ الإصلاحات المالية وإصلاح القطاع المالي والحفاظ على استمرارية المؤسسات العامة.
وجدد جابر التأكيد على أن لبنان ينظر إلى برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي باعتباره إطاراً أساسياً للتعافي الاقتصادي، لما يوفره من دعم لاستعادة المصداقية، وتوجيه مسار الإصلاحات، وحشد التمويل الخارجي، وتهيئة الظروف الملائمة للعودة إلى النمو والاستقرار. كما أكد تمسك لبنان بدوره التاريخي كجسر بين أوروبا والعالم العربي، وكمركز إقليمي للتمويل وريادة الأعمال والابتكار والخدمات المصرفية.
وفي ختام كلمته، شدد وزير المالية على أن نجاح أي خطة إصلاحية يبقى مرتبطاً بتوافر الأمن والاستقرار، مؤكداً أن لبنان يحتاج قبل كل شيء إلى وقف الأعمال العدائية وإرساء استقرار دائم يسمح بإطلاق عملية إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات وتحقيق النهوض الاقتصادي. ودعا إلى بناء شراكة عربية أوروبية قائمة على رؤية مشتركة لتعزيز المرونة الاقتصادية والاستثمار والنمو المستدام، معتبراً أن التعاون أصبح في عالم اليوم المنقسم والمتجه نحو مزيد من التجزئة أصلاً استراتيجياً لا غنى عنه.
