كشفت المعطيات الاقتصادية الصادرة عن شهر آذار عن عودة ظاهرة العجز المزدوج في ميزان المدفوعات والمالية العامة إلى الواجهة، وهو ما يستدعي وقفةً تحليلية جادة في ضوء التجارب السابقة التي أفضت إلى الانهيار الاقتصادي الذي عاشه لبنان.
سجّل ميزان المدفوعات عجزاً بلغت قيمته 410 ملايين دولار خلال الشهر المذكور، في حين دخلت المالية العامة دائرة العجز من جديد، مدفوعةً بارتفاع الإنفاق المرتبط بتداعيات الحرب من جهة، وبتراجع الإيرادات الناجم عن انخفاض النشاط الاقتصادي وضعف التحصيل الضريبي من جهة أخرى. ويمثّل هذا التحول تراجعاً ملحوظاً مقارنةً بعام 2025، الذي شهد تسجيل فوائض شهرية في كلٍّ من المالية العامة وميزان المدفوعات.
تجدر الإشارة إلى أن هذا النمط من الاختلالات المزدوجة ليس جديداً على الاقتصاد اللبناني؛ إذ يعود تراكم العجز المزدوج في مرحلة ما قبل عام 2019 إلى كونه أحد الأسباب الجوهرية التي أفضت إلى الانهيار الاقتصادي الذي عُرف لبنان به، وذلك لأن هذا العجز يعكس ببساطة حالةً تُنفق فيها الدولة ما يفوق إيراداتها بكثير، وهو ما يُغذّي استيراداً مفرطاً يتجاوز الطاقة الطبيعية للاقتصاد الوطني، ليُفضي في نهاية المطاف إلى استنزاف احتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، والضغط على سعر صرف الليرة.
ويزيد من تعقيد المشهد الراهن أن فاتورة الاستيراد تجاوزت 3.5 مليار دولار، فيما شهدت التدفقات النقدية تراجعاً ملموساً، وانخفضت قيمة احتياطي الذهب. غير أن المعطيات المتاحة تُشير إلى أن تفاقم العجز يرتبط بشكل أساسي بأوضاع المالية العامة لا بعوامل خارجية وحسب.
وفي ظل هذه المعطيات المقلقة، تبرز الحاجة إلى معالجة هيكلية عاجلة. وتُشكّل إمكانية إنشاء مجلس نقد (Currency Board) أحد الخيارات الجديرة بالدراسة الجدية، نظراً لما يوفره من ضوابط مؤسسية تحول دون التوسع غير المنضبط في الإنفاق، وتُرسّخ الثقة في العملة الوطنية، وتحمي الاحتياطيات من مخاطر الانحدار. ويكتسب هذا الخيار أهميةً استثنائية في المرحلة الراهنة، لا سيما أن الاختلالات المستجدة باتت تُشبه في ملامحها الاختلالات التي سبقت أزمة عام 2019.
يبقى احتواء العجز المزدوج شرطاً أساسياً للحفاظ على الاستقرار النقدي ومنع تكرار الأزمات الهيكلية، إذ لا يمكن تصوّر مسار اقتصادي مستدام في ظل استمرار هذه الاختلالات التي أثبتت تاريخياً قدرتها على تقويض الاستقرار وإعادة إنتاج الأزمة.