أطلت الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء على الإعلام للمرة الأولى منذ تعيينها في أيلول 2025، عبر حوار صريح بعيداً من الكاميرات.
من حيث الشكل، جاء هذا اللقاء بعد استقالة رئيس الهيئة مروان جمال، واستبدال هنري ضاهر، الذي اعتُبر مستقيلاً، بكريستينا أبي حيدر في جلسة الحكومة الأخيرة، وهو ما اعتبره كثيرون انتكاسة قد تعيق عمل الهيئة، ولا سيما أنها لم تصدر أي مواقف أو خطوات علنية منذ تعيينها. شارك في اللقاء كل من دانيال جحا، وزياد رحمه، وسورينا مرتضى، إضافة إلى كريستينا أبي حيدر.
بناء نظامها
أما في المضمون، فانقسم عرض الهيئة لواقعها إلى شقين رئيسيين. الأول يتعلق بانكبابها طوال الفترة الماضية على إعداد نظامها الداخلي، ونظام العاملين، والنظام المالي. واعتمدت خلال هذه المرحلة على المساهمات والمساعدات من الجهات المانحة الدولية، نظراً لعدم تلقيها كامل حصتها من مساهمة الدولة، التي يفترض أن ترافق انطلاقتها، ولا سيما خلال العامين الأولين.
فمن أصل موازنة تقارب 100 مليار ليرة، لم تحصل الهيئة إلا على 50 ملياراً، ما حال حتى اليوم دون تسديد رواتب أعضائها، أو استئجار مكاتب خاصة بها، خصوصاً أنها رفضت إشغال مكاتب في وزارة الطاقة حفاظاً على استقلاليتها، فضلاً عن عدم تمكنها من تعيين موظفين يعتبر دورهم أساسياً للقيام بمهامها. ورغم ذلك، تتجه الهيئة في القريب العاجل إلى تعيين سبعة موظفين في مجالات المحاسبة والتواصل والهندسة، بهدف تسهيل عملها وتسريعه.
دور الهيئة
أما الشق الثاني، فذهب النقاش فيه إلى دور الهيئة الناظمة في رسم مستقبل قطاع الطاقة، الذي لا يبشر ماضيه بأي أمل أو حل سريع. وقد أعلن الأعضاء أنهم أنجزوا ورقة سياسة الطاقة، التي من المفترض أن يحملها وزير الطاقة إلى مجلس الوزراء في غضون أسبوعين.
ومن الخطوات السريعة التي تعمل عليها الهيئة:
- إنشاء مديرية للطاقة البديلة.
- تسهيل بيع الطاقة مباشرة بين المنتجين، ولا سيما من مصادر الطاقة المتجددة، والزبائن، وهو ما وضع أسسه القانون 318 المتعلق بإنتاج وتوزيع الطاقة المتجددة.
- تحفيز وتسهيل منح الرخص لإنتاج الطاقة حتى سقف 10 ميغاواط، وهو الترخيص الذي مُنح لـ11 شركة، فيما باشرت واحدة منها العمل فعلياً على أرض الواقع.
فكفكة الكهرباء وتشركتها
أما الشق الأهم المتعلق بدور الهيئة الناظمة، فيتمثل بتطبيق القانون 462، الذي يتحدث صراحة عن إعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان وتحويلها إلى شركة، بمعنى أنها ستتحول إلى شركة عامة، مع فصل أنشطة الإنتاج عن النقل والتوزيع.
وبموجب هذا التصور، تنشأ بدلاً من مؤسسة كهرباء لبنان شركة عامة، ويتم فصل الإنتاج عن النقل والتوزيع، على أن تبقى الدولة مالكة لقطاع النقل لأسباب تتعلق بالأمن القومي، بحسب أحد أعضاء الهيئة.
أما في ما يتعلق بالتوزيع، فستنشأ حصرية جغرافية، وليس احتكاراً، لشركات توزيع الكهرباء، وذلك ارتباطاً بالعوامل الجغرافية وتنظيم الشبكة. وسيحق لشركات التوزيع الاستثمار في الشبكة وإيصال الخدمة إلى المواطنين، بسعر تحدده الشركة ضمن سقف تضعه الهيئة الناظمة.
يؤكد أعضاء الهيئة أنه “لا يمكن الانتقال بشكل سريع من مؤسسة كهرباء لبنان إلى فتح القطاع أمام منافسة متوحشة من القطاع الخاص، بل ستكون هناك فترة انتقالية”.
النقل للدولة
عند إعادة هيكلة القطاع، ستنشأ شركة نقل مملوكة بالكامل من الدولة، وهي ممارسة عالمية وليست لبنانية، تتولى شراء كل إنتاج تزيد قدرته على 24 كيلوفولت. وتقوم هذه الشركة بشراء الكهرباء من منتجي الطاقة عبر عقود شراء الطاقة (PPA)، ثم تعيد بيعها إلى شركات التوزيع. ولا يلغي ذلك إمكانية البيع والشراء المباشر بين الجهات المختلفة للإنتاج الذي تقل قدرته عن 24 كيلوفولت، أي على مستوى الـMedium Voltage.
في ما يتعلق باستقرار الشبكة، بوصفه حاجة أساسية لنقل الكهرباء، ولا سيما إذا كانت منتجة من مصادر الطاقة المتجددة، تقول إحدى عضوات الهيئة: “هذا ما نعمل عليه، بحيث تصبح الكهرباء متوافرة على مدار الساعة، 24/24”. وتضيف أن إنشاء شبكتي نقل منفصلتين لا مبرر له، لا تقنياً ولا اقتصادياً، ولذلك ستتولى شركة النقل الجديدة، التي ستنشأ بعد إعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان، هذه المهمة. ويشير أعضاء الهيئة إلى أن القانون 462 يتيح دخول القطاع الخاص تدريجياً إلى القطاع، بحيث يمكن أن تصل مساهمته إلى 40% خلال أول عامين، فيما يقع على عاتق الهيئة الناظمة، بموجب المادة 12، ضمان الشفافية والمنافسة.
الإنتاج للدولة أيضا.. بشقه الأكبر
أما على صعيد الإنتاج، فلا شيء يمنع منح رخص للقطاع الخاص لإنشاء معامل إنتاج، على أن تقوم شركة النقل العامة بشراء الطاقة منها، ومن ثم بيعها إلى شركات التوزيع.
وفي المرحلة الأولى، ستتبع المعامل القائمة لشركة عامة جديدة تنشأ بموجب المراسيم التطبيقية، وتحمل اسم EDL Power Generation. ويحق للدولة أن تبقي ملكية هذه الشركة بنسبة 100%، كما يحق لها لاحقاً إدخال القطاع الخاص بنسبة تصل إلى 40%، لكنها غير ملزمة بذلك، وبالتالي ستبقى الشركة في المرحلة الأولى مملوكة بالكامل للدولة.
وتباع الطاقة، سواء كانت منتجة من EDL Power Generation أو من منتجين مستقلين جدد، إذا تجاوز إنتاجها 24 كيلوفولت، إلى شركة النقل العامة عبر عقود شراء الطاقة (PPA). إلا أن أعضاء الهيئة يشددون على أن هذه العقود لا تعني إلزام شركة النقل بشراء الكهرباء بأسعار ثابتة لفترات طويلة، بل ضمن سقوف وآليات مرنة يجري تحديدها.
الفارق عن الواقع الحالي
وبرأي أعضاء الهيئة، فإن الفارق بين الواقع الحالي والخطة المقترحة يكمن في أن الشركة العامة ستحتفظ بعد إعادة الهيكلة بجزء من الإنتاج قد يصل إلى 1200 ميغاواط، علماً أن ورقة استرداد التكاليف الخاصة بالمؤسسة تشير إلى أن الإنتاج سيبلغ نحو 1000 ميغاواط في عام 2030.
في المقابل، سيدخل منتجون مستقلون للطاقة (IPP) إلى القطاع للاستثمار في إنتاج الكهرباء. ومن المتوقع أن يكون أول هذه المشاريع في دير عمار، حيث يجري إعداد الجدوى الاقتصادية بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، على أن تُباع الطاقة إلى شركة النقل العامة عبر عقود شراء الطاقة (PPA)، التي تعيد بدورها بيعها إلى شركات التوزيع. ويؤكد أعضاء الهيئة أن كل ما يعملون عليه ويطرحونه من أفكار يجري تحت سقف القانون 462 الصادر عام 2002، والقانون 318 المتعلق بإنتاج وتوزيع الطاقة المتجددة، والمقر حديثاً.
برأيهم، فإن هذه الإجراءات ستفتح القطاع أمام المنافسة، وتجذب المستثمرين، وتحسن واقع الكهرباء. ذلك مع العلم أن الدولة التي ستخرج من شباك فكفكة مؤسسة الكهرباء ستعود وتدخل من شباك الشركة الجديدة للانتاج، في حين أن طرح تخصيص المعامل القائمة ولعل ابرزها الزهراني دير عمار والذوق مستبعدا، حيث ستدرج المعامل في الشركة العامة. ولكن ن دون ان يعني ذلك عدم امكانية قيام معامل جديدة سواء كانت حرارية أو على الطاقة المتجددة.
إضافة إلى ذلك تحدثت الهيئة عن إجرائها الدراسات بشأن مشاريع الربط الكهربائي، وهي ثلاثة: الأول مع سوريا والأردن، والثاني مع تركيا، والثالث مع قبرص.
