شكّل الصمود النقدي في لبنان خلال الأشهر الماضية مفاجأة للأقربين قبل الأبعدين، في ظل تداخل الأزمات الداخلية الحادة مع تداعيات حرب إقليمية ألقت بظلالها على أسواق المنطقة. ومع تجدد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد المخاوف من انعكاساته الاقتصادية على لبنان، سواء من خلال التأثير سلباً على التحويلات المالية، أو تراجع القدرة على استقطاب السياح خلال صيف 2026، أو تأخر تدفق الدعم والمساعدات، عاد الهاجس النقدي إلى الواجهة من جديد، ليطرح سؤالاً أساسياً: إلى أي مدى يستطيع لبنان الحفاظ على استقرار سعر الصرف إذا طال أمد الحرب وتفاقمت تداعياتها الإقليمية؟
بعيدًا عن الشعبوية التي تحكم التعاطي مع الملفات الاقتصادية عمومًا، والنقدية خصوصًا، يمكن الانطلاق من ثابتين لبناء قراءة للمرحلة المقبلة.
- يتمثل الثابت الأول في قدرة الآلية النقدية المعتمدة منذ منتصف عام 2023 على تجنيب لبنان تدهورًا في سعر الصرف، حتى في أكثر مراحل الحرب حساسية، محليًا وإقليميًا، خلال آذار الماضي. كما لا يبدو متوقعًا أن تشهد المنطقة تصعيدًا يتجاوز ما شهدته مع انطلاقة الحرب، إذ إن الفارق الأساسي اليوم يكمن في تجدد الاشتباكات، مع الإبقاء في الوقت نفسه على قنوات التواصل الخلفية مفتوحة على أوسع المستويات.
- أما الثابت الثاني، فتدل عليه أرقام ميزانية مصرف لبنان للنصف الثاني من حزيران. فبعد مرور ثلاثة أشهر على اندلاع الحرب، لم تتراجع الاحتياطيات النقدية بالعملات الأجنبية بأكثر من 4%. وفي المقابل، ارتفعت ودائع الدولة في حسابها لدى مصرف لبنان لتقترب من 10 مليارات دولار.
ما الرابط بين البندين؟
بعد آذار 2023 ونظرا للاختلالات العميقة في سعر الصرف نتيجة استمرار مصرف لبنان بيع الدولارات لتلبية الاحتياجات العامة والخاص، اتفق على تغيير النهج. فتم وضع آلية مكّنت المركزي من استعادة دوره كجهة تنظيمية رئيسية للمعروض النقدي بالليرة اللبنانية. وهكذا، بدلاً من شراء الدولارات، بالليرات التي يتم طباعتها، أصبح مصرف لبنان فعلياً بائعاً لليرة اللبنانية. وقد ساهمت هذه العملية في استقرار سعر الصرف عند حوالي 89,500 ليرة لبنانية للدولار الواحد اعتباراً من حزيران 2023.
آلية الاستقرار
تقوم آلية الاستقرار، التي وُضعت بالشراكة بين مصرف لبنان، وإحدى الشركات المالية، وعدد من المصارف التجارية، على خدمة الشركات والأفراد الذين يحتاجون إلى الليرة اللبنانية، ولا سيما لتسديد الضرائب والرسوم الحكومية. وتقوم الآلية على بيع الليرات اللبنانية للمشاركين المؤهلين مقابل شراء الدولارات من السوق، بما يضمن تلبية الطلب على العملة الوطنية من جهة، وتعزيز احتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية من جهة أخرى.
غير أن أهمية هذه الآلية لا تقتصر على تثبيت سعر الصرف، بل تمتد إلى تحقيق جملة من الأهداف النقدية والاقتصادية. فقد ساهمت في كبح التضخم وخفضه من نحو 245% في عام 2023 إلى حوالى 12%، الأمر الذي حدّ من تآكل القدرة الشرائية للأجور والرواتب المقومة بالليرة اللبنانية، وساعد على حماية رواتب القطاع العام واستعادة نحو 50% من قيمتها مقارنة بمستوياتها التي بلغتها خلال ذروة الأزمة، فضلاً عن تعزيز احتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية.
ولعل أبرز ما يميز هذه الآلية أنها حدّت من المضاربة على العملات الأجنبية، بعدما أصبحت شراء الدولارات من السوق يتم بصورة شبه حصرية عبرها، بدلاً من الأساليب غير المنظمة التي كانت سائدة سابقاً عند السعي إلى تعزيز احتياطيات مصرف لبنان. ففي الإطار الحالي، يبيع مصرف لبنان الليرات اللبنانية حصراً للشركات والمؤسسات والأفراد لأغراض محددة وواضحة، وفي مقدمتها تسديد الضرائب والرسوم، ما يدفع الجهات العاملة ضمن الاقتصاد الرسمي إلى الحصول على الليرة عبر المصارف اللبنانية المشاركة في الآلية، وبالتنسيق المباشر مع مصرف لبنان.
إلى جانب دورها النقدي، تشكل الآلية أداة متقدمة لتعزيز الامتثال المالي ومكافحة الجرائم المالية. فهي تعتمد معايير صارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتفرض إجراءات تدقيق دقيقة تحول دون استفادة الأفراد أو الكيانات الخاضعة للعقوبات الدولية أو المشتبه بارتباطها بجرائم مالية من النظام المصرفي اللبناني.
وتخضع جميع طلبات الحصول على الليرة اللبنانية لأربع مراحل مستقلة من التدقيق والتحقق، تهدف إلى كشف أي شركة أو فرد مدرج على قوائم العقوبات الدولية أو ممنوع من إجراء معاملات مالية بسبب تورطه في غسل الأموال أو تمويل الإرهاب. ويعكس هذا الإطار اعتماد أعلى معايير الحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر، والالتزام الكامل بقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يعزز سلامة القطاع المالي اللبناني ويحمي مصرف لبنان والنظام المصرفي من المخاطر القانونية والمالية، فضلاً عن ترسيخ الثقة المحلية والدولية بالإجراءات المعتمدة.هل من خطر على استقرار سعر الصرف؟
هل من خطر على استقرار سعر الصرف؟
بحسب آخر الأرقام الصادرة عن مصرف لبنان عن النصف الثاني من حزيران 2026، بلغ احتياطي العملات الأجنبية نحو 11.55 مليار دولار أميركي، بعد تراجع قدره 78.6 مليون دولار خلال الأسبوعين الأخيرين من الشهر.
أما على صعيد المطلوبات، فقد ارتفعت ودائع القطاع العام، التي تمثل نحو 10.44% من إجمالي التزامات مصرف لبنان، بنسبة 33.99% على أساس سنوي، لتصل إلى 9.74 مليار دولار في نهاية حزيران. في المقابل، انخفضت العملة المتداولة خارج مصرف لبنان، والتي تشكل 0.70% من إجمالي التزامات المصرف، بنسبة 23.52% على أساس سنوي، لتبلغ 656.34 مليون دولار.
تشير هذه الأرقام إلى أن الآلية النقدية المعتمدة لا تزال تعمل بالفعالية نفسها التي انطلقت بها في عام 2023، بل إن قدرتها على دعم استقرار سعر الصرف قد تتعزز بشكل ملحوظ إذا ترسخ الاستقرار الأمني والسياسي، وعادت التدفقات النقدية بالعملات الأجنبية، سواء عبر المساعدات الدولية، أو أموال إعادة الإعمار، أو انتعاش القطاع السياحي، أو زيادة تحويلات المستثمرين والمغتربين.
ولا يقتصر أثر هذه العوامل على تعزيز احتياطي العملات الأجنبية، بل قد يساهم أيضاً في تسريع معالجة أزمة الودائع، بما يحقق نتائج إيجابية لجميع الأطراف. إلا أن تحقيق هذا السيناريو يبقى مشروطاً بضمان الاستقرار، لأنه يشكل الركيزة الأساسية لأي تعافٍ اقتصادي أو مالي. فهل ينجح لبنان في تثبيت هذا الاستقرار خلال المرحلة المقبلة؟ هذا هو السؤال الجوهري، وهو بيت القصيد.
