إعادة الودائع.. “طبخة” جديدة تُطيل المهل وتُكثّر علامات الاستفهام

الودائع

في الوقت الذي استردت فيه الحكومة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع (الفجوة المالية) من البرلمان لإجراء تعديلات عليه، وزّع مصرف لبنان نسخةً محدثة من رؤيته لإعادة رسملته وسداد الودائع على المصارف، كما أودع نسخة من مقترحه لدى صندوق النقد الدولي للاطلاع وإبداء الرأي.

يقوم مقترح مصرف لبنان، بصيغته الجديدة التي تستند إلى الطروحات السابقة، على ستة مرتكزات أساسية:

  • شطب 15.5 مليار دولار من إجمالي الودائع المقدّرة بنحو 80 مليار دولار، باعتبارها غير مستحقة، وتحويل 7.5 مليار دولار إلى عملية إنقاذ داخلي (Bail-in)، بحيث يحصل المودعون على أسهم ممتازة قابلة للتحويل وغير قابلة للتصويت، تُدرج ضمن رأس المال من المستوى الثاني.
  • الإبقاء على 57 مليار دولار من الودائع المستحقة، يُسدَّد منها نقدًا ما يصل إلى 100 ألف دولار لكل مودع على مدى سبع سنوات، فيما يُحوَّل المبلغ المتبقي إلى سندات تستحق خلال 20 أو 25 أو 30 عامًا، بحسب حجم الوديعة.
  • تحميل الدولة 25 مليار دولار من خسائر النظام المصرفي، تمثل نحو 31% من إجمالي الودائع، موزعة على 16.5 مليار دولار تمثل الدين القديم الناتج عن فروقات إعادة التقييم، و8.5 مليار دولار تمثل كلفة الدعم.
  • تحمّل مصرف لبنان 60% من كلفة إعادة الأموال النقدية للمودعين، و80% من كلفة سداد السندات.
  • إعادة رسملة 41 مصرفًا من أصل 56 مصرفًا، بمبلغ يناهز مليارين و268 مليون دولار.
  • حصول مصرف لبنان على 25% من عائدات أي خصخصة للأصول أو الشركات المملوكة للدولة.

إعادة رسملة البنوك

اللافت أن ورقة مصرف لبنان استبقت تطبيق قانون إعادة هيكلة المصارف، الذي يُعاد تعديله في البرلمان تمهيداً لإقراره مجدداً. وعلى الرغم من أن هذا القانون هو المرجع الأساسي في تقييم المصارف وتحديد القابل منها للاستمرار، فإن مراجعة جودة الأصول (AQR) أظهرت، بحسب مصرف لبنان، أن 41 مصرفًا من أصل 56 سيحتاج أولًا إلى استيعاب جزء من خسائره وخفض رأسماله قبل التمكن من ضخ رساميل جديدة. وقدّر المصرف المركزي الاحتياجات الأولية لرأس المال الجديد للقطاع المصرفي بنحو 2.268 مليار دولار.

وستحتاج مصارف “ألفا” الأربعة عشر إلى نحو 1.8 مليار دولار، من بينها 12 مصرفاً يحتاج كل منها إلى أقل من 300 مليون دولار، بإجمالي يبلغ 1.47 مليار دولار، للوصول إلى نسبة رأسمال تبلغ 8%. أما المصارف الأصغر، فسيحتاج 25 مصرفًا إلى نحو 450 مليون دولار من رأس المال الإضافي. في المقابل، هناك 15 مؤسسة، معظمها صغيرة أو متخصصة أو مملوكة لمستثمرين أجانب، تمثل أقل من 0.2% من ودائع القطاع، ولن تحتاج إلى إعادة رسملة إضافية.

ويشترط مصرف لبنان أن يكون ضخ رأس المال الجديد نقداً حصرياً، من دون احتساب العقارات أو الشيكات المحلية أو “الدولارات المحلية”، إلا بعد إعادة تقييمها وفق أسعار السوق ومنحها أوزاناً أقل.

الاعتراف بالتعميم 567

سيُعترف بضخ رأس المال الذي تم بالفعل بموجب التعميم رقم 567 (آب 2020)، والبالغ 20% من الأموال الخاصة بالمصارف، باعتباره رأسمالًا من المستوى الأول. وستُمنح مصارف “ألفا” مهلة تصل إلى ست سنوات لاستيفاء المتطلبات الاحترازية الجديدة، فيما تُمنح المصارف الأخرى أربع سنوات.

الودائع

يفترض سيناريو مصرف لبنان البديل سداد أول 100 ألف دولار لكل مودع على مدى سبع سنوات، بحيث يموّل مصرف لبنان 60% من هذه المبالغ، فيما تتحمل المصارف 40%. أما المودعون الذين تتجاوز ودائعهم 100 ألف دولار، فسيحصلون على سندات مدعومة بالأصول (ABS) تستحق خلال 20 أو 25 أو 30 عامًا، بحسب قيمة الوديعة. ويضمن مصرف لبنان 80% من قيمة هذه السندات، فيما تضمن المصارف النسبة المتبقية البالغة 20%.

بين القانون والورقة

في المقابل، نص مشروع قانون تسوية الديون المتعثرة الذي قدمته الحكومة على سداد أول 100 ألف دولار نقداً خلال أربع سنوات، وإصدار سندات بآجال استحقاق تبلغ 10 و15 و20 عاماً. وبحسب التقارير، اعتبر مصرف لبنان هذا الجدول الزمني غير واقعي، فأعد سيناريو بديلاً.

العبء البنكي المباشر المقدر

إذا اعتُمد هيكل مصرف لبنان، فستتحمل المصارف في نهاية المطاف نحو 11.35 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 14% من الودائع الحالية، أو قرابة 20% من الودائع المتبقية بعد عمليات الاستبعاد والإنقاذ الداخلي. وسيخصص كل مصرف 6.66% من صافي أرباحه السنوية لصندوق استهلاك (Sinking Fund)، بهدف تمويل إعادة شراء أدوات الإنقاذ الداخلي التي أعاد من خلالها رسملة نفسه، والبالغة قيمتها نحو 7.5 مليار دولار، عند استحقاقها في المستقبل. كما ستُدفع المصارف التي يرفض مساهموها ضخ رأس المال المطلوب إلى الاندماج أو التصفية.

أما المصارف القابلة للاستمرار التي تعجز عن استقطاب مستثمرين من القطاع الخاص، فقد يتولى مصرف لبنان إعادة رسملتها مقابل الحصول على أسهم ممتازة، مع تولي الإدارة بصورة مؤقتة وتعيين مجلس إدارة جديد، على أن ينسحب من ملكيته وإدارته خلال فترة لا تتجاوز خمس سنوات من تاريخ إعادة الهيكلة.

القضية الرئيسية التي لم تُحسم

على الرغم من أن خطة مصرف لبنان تبدو أكثر تفصيلًا من خطة الحكومة، فإن جمعية المصارف ترى أن مصداقيتها تبقى مرتبطة بثلاث قضايا لم تُحسم بعد:

  • المعالجة القانونية للودائع المستبعدة وآلية الإنقاذ الداخلي.
  • الاعتراف بمطالبات مصرف لبنان تجاه الدولة أو رفضها.
  • كيفية احتساب الاحتياطيات الإلزامية، سواء باعتبارها جزءاً من مساهمة مصرف لبنان أو أموالًا تعود إلى المصارف، وبالتالي إلى المودعين بصورة غير مباشرة.

أما بالنسبة إلى صندوق النقد الدولي، فتتمثل العقبة الأساسية في تحميل الدولة ديناً إضافياً بقيمة 25 مليار دولار، لما لذلك من انعكاسات على استدامة الدين العام وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية، سواء تجاه الديون القائمة، أو سندات اليوروبوندز، أو أي تمويل جديد قد تحصل عليه.

إذا كانت نتائج مراجعة جودة الأصول (AQR) ستُستخدم عمليًا لتحديد مصير المصارف وإعادة رسملتها، وإذا كان توزيع الخسائر المطروح في ورقة مصرف لبنان يشكل إطاراً بديلًا لما يتضمنه مشروع قانون الانتظام المالي، فإن ذلك يثير تساؤلات حول الجدوى من استمرار إعداد مشاريع القوانين وإحالتها إلى البرلمان، ثم إخضاعها لنقاشات قد تمتد سنوات قبل إقرارها، وربما قبل إصدار مراسيمها التطبيقية أيضاً. فهل يهدف هذا المسار إلى تسريع الحل أم أنه يضيف طبقة جديدة من التعقيد والتأخير؟ ولا سيما أن أي صيغة نهائية ستبقى، في جميع الأحوال، مرتبطة بموافقة صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية. وهي أسئلة تعكس حجم الضبابية التي ما زالت تحيط بملف إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتؤشر إلى أن طريق الحل لا يزال طويلاً.