كيف “تميَز” كمال حايك بالجمع بين منصبين في كهرباء لبنان واستمر فيهما على مدى 24 سنة عجاف؟

كمال حايك

لم يولد تحديد مدة الولاية في المناصب القيادية في علم الإدارة من العدم. إضافةً إلى رفد المؤسسات بـ”دم جديد”، فإن الهاجس كان منع تركز السلطة في يد شخص واحد لفترة طويلة، بما قد يؤدي إلى “تبلّده” بمعنييه: الترهل، والإحاطة بخفايا العمل وثغراته، فيزداد تغول النفوذ، وتتعاظم احتمالات الفساد. ولهذا، حدد المشرع اللبناني مدة ولاية رئيس مجلس إدارة ومدير عام مؤسسة كهرباء لبنان بـ3 سنوات. فكيف استمر كمال حايك في هذا المنصب 24 سنة؟

الرقم صحيح: 24 سنة. بدأت في العام 2002، وما زال مستمراً في منصبه لتاريخه، رغم الفشل الذريع في مؤسسة كهرباء لبنان، وتوقف أكثرية معامل الإنتاج، وارتفاع الهدر إلى أكثر من 40%، وتراجع التغذية إلى أقل من 4 ساعات.

شاهد زور أم معرقلاً؟

بديهياً، لم يكن التمديد مكافأة، لكنه، على الأكيد، ليس عقاباً. إذ يروج على نطاق واسع أن حايك طالب بإعفائه من منصبه “50 مرة”، ولم تستجب له السلطة السياسية. فبقي، إذا أحسنا النية، “شاهد زور” على تدهور أكبر قطاع إنتاجي وأهمه في البلد على الإطلاق، وبقي، ومعرقلاً للمرفق العام، لا ميسراً له، إذا “حملنا ذمتنا”. فـ”تدهور” باص مدرسي في دول أخرى يدفع وزير النقل إلى الاستقالة، فما الذي يمكن أن يبرر البقاء في المنصب، وسط إغراق البلد بالظلمة؟ والتعبير الأخير حرفي، وليس مجازياً..

ماذا جرى بين 2002 و2026

عُيّن كمال حايك رئيساً لمجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان ومديراً عاماً لها في كانون الثاني 2002. وقد خلف محمد فؤاد حمدان، الذي عُيّن في العام 2000 رئيساً لمجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان فقط، لمدة ثلاث سنوات. فأنهيت خدمات حمدان، ونُقل كمال حايك من المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات، وعُيّن رئيساً متفرغاً لمجلس الإدارة ومديراً عاماً.

المفارقة الأولى أنه رضي بجمع منصبين حساسين لم يكونا، منذ إنشاء المؤسسة وفي مختلف المراحل، مجتمعين، يقول منسق سياسات الشراكة مع القطاع العام في المعهد اللبناني لدراسات السوق (LIMS)، ومدير الاستثمار السابق في وزارة الطاقة، غسان بيضون. وهذه هي نقطة الضعف الأولى التي مكنت حايك من جمع كثير من الصلاحيات.

في الحقيقية، أن أًول مرة تم فيها الجمع بين منصب رئيس مجلس إدارة كهرباء لبنان وموقع مديرها العام، منذ إنشائها، كان لصالح المهندس جوزف الهوا في عهد الوزير حبيقة، حيث استمرّ لسنتين ونصف،ثم أعيد الفصل بينهما ليتولى المهندس جورج معوض منصب المدير العام وصلاح أبو الخدود رئيساً لمجلس الإدارة؛ وسرعان ما تكرر الجمع للمرة الثانية مع المهندس المدني كمال حايك، الذي باشر مهامه بداية العام 2002، واستمر حتى اليوم، برغم تردي أوضاع المؤسسة على مختلف مستوياتها المالية والإدارية والفنية.

ما هو السر وراء هذه “الظاهرة”؟

ولاية حايك، التي كان يفترض أن تنتهي في العام 2005، استمرت حتى العام 2014. والغرابة ليست في بقائه في منصبه 10 سنوات إضافية، بعد خروج أكثرية أعضاء مجلس الإدارة المعينين في العام 2000، وبقاء عضوين فقط، إنما في ما حصل ذلك العام. فتحت جنح الظلام، صدر عن الحكومة مرسوم قضى بـ”تعيين المهندس كمال حايك رئيساً متفرغاً لمجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، مديراً عاماً لها، لمدة ثلاث سنوات (مركز شاغر)”.

وبرأي بيضون، فإن هذا المرسوم أتى ليكرس استمرارية حايك على رأس مؤسسة كهرباء لبنان مديراً عاماً لثلاث سنوات إضافية، بعدما كان الحديث يجري عن إعادة الفصل بين منصبي رئيس مجلس الإدارة والمدير العام. والهدف كان ضمان بقائه في سدة المسؤولية، حتى لو جرى تغيير إداري بإعادة الفصل بين المنصبين.

الولاية الثانية، التي كان يفترض أن تنتهي في العام 2017، استمرت بشكل غامض. ففي العام 2020، عيّن مجلس الوزراء أعضاء جدد لمجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، لكنه لم يعيّن مديراً عاماً. وخلافاً للأصول التي تقضي بتعيين 7 أعضاء، يُختار واحد منهم مديراً عاماً، جرى تعيين 6 أعضاء فقط، وحُفظ مركز المدير العام لكمال حايك، يقول بيضون.

وفي العام 2025، تكرر الأمر نفسه، حيث عيّن مجلس الوزراء 6 أعضاء جدد لمجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، وحُفظ مركز المدير العام، بحجة أن تعيينه سيأتي بآلية منفصلة، وهذا ما لم يحصل حتى كتابة هذه السطور.

التضليل ليس صك براءة

إن استمرار حايك في ترؤس مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان وشغله منصب المدير العام هو أمر غير قانوني، وبحكم الأمر الواقع، نظراً إلى عدم تعيين رئيس ومدير عام أصيلين، كما يفترض المنطق وعلم الإدارة، من وجهة نظر بيضون.

ويشغل حايك راهناً منصب مدير عام في مركز شاغر، ويمارس مهامه بصفته رئيس مجلس إدارة مستمراً. وهذا الوضع مريب وغريب، يضيف بيضون، فيما تستمر الإدارة السياسية في تجاهله.

عدا عن الدعم السياسي الواضح الذي يحظى به المديرون العامون، ولا سيما المحسوبون منهم، فإن التبريرات التي تُعطى للتقصير غالباً ما تكون مضللة. فالتكرار بأن المشكلة تكمن في الطبقة السياسية ووزراء الوصاية، وليست لدى الموظفين المغبونين على أمرهم، ليس دقيقاً بالكامل. فالمراكز القيادية تتطلب أولاً تحمّل المسؤولية، وإن كان هناك عجز كامل عن الإصلاح، تبقى الاستقالة الخيار الصحيح. أما كل ما يأتي بعدها، فلا يعدو كونه “عذراً أقبح من ذنب”، وقد يجعل بعض الناس يصدقونه بفعل التكرار. وهذه الفكرة معروفة في علم النفس باسم تأثير الحقيقة الوهمية، حيث يميل الناس إلى اعتبار المعلومة أكثر صدقاً لمجرد تكرارها، وليس لأنها مدعومة بالأدلة.