يعود الحديث في لبنان مجددًا إلى ملف زيادة الرواتب، بعدما طال انتظار اللبنانيين لتعويض ما خسرته أجورهم من قيمتها جراء الانهيار المالي منذ عام 2019، وتداعيات جائحة كورونا، وما تلاها من حروب. أقرّ مجلس الوزراء أخيرًا سلسلة تعيينات شملت الهيئة الوطنية للمنافسة، وشركة إدارة المطار، والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، إضافة إلى تعيين أعضاء مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وشهدت الجلسة الأخيرة صدور جملة من القرارات، إلا أن الملف الأبرز ظل مرتبطًا بزيادة الرواتب التي طال انتظارها.
كشفت تقارير صحافية أن الضغوط النقابية والتجارية أسهمت في تجنيب اللبنانيين مرحليًا رسومًا كانت الحكومة تنوي فرضها على السلع المستوردة بنسبة تصل إلى ثلاثة في المئة. كما قرر مجلس الوزراء تأجيل مناقشة مشروع مرسوم بيئي يفرض رسومًا تتراوح بين واحد وثلاثة في المئة على منتجات وسلع معينة. وأقرّت زيادة الرواتب فعليًا، غير أن اعتمادها بالتقسيط أثار موجة غضب شعبي ونقابي واسعة، ودفع النقابات إلى الدعوة لإضراب عام غدًا احتجاجًا على قرارات الحكومة.
يرى خبراء اقتصاديون أن قرار زيادة الرواتب اتُخذ أصلًا بطريقة غير مدروسة وتحت ضغط شعبوي انتخابي، إذ صدر القرار قبيل استحقاق نيابي كان مقررًا قبل أن يُؤجَّل سنتين، ما ترتب عليه تحمّل خزينة الدولة أعباء مالية لم تكن مهيأة لتغطيتها. وتشير التحليلات إلى أن الحكومة اللبنانية، المتعثرة عن سداد ديونها والعاجزة عن الاستدانة من المصرف المركزي أو من المصارف، باتت تعتمد حصرًا على إيراداتها الضريبية لتمويل أي زيادة في الإنفاق، فيما لا تكفي هذه الإيرادات لتغطية الأعباء الإضافية، خصوصًا في ظل حالة الحرب التي أوقفت الحركة الاقتصادية والسياحة وزادت النفقات المخصصة لمساعدة النازحين وإصلاح الأضرار.
تفرض حالة التضخم الناتجة عن الاضطرابات في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط والنقل البحري والتأمين على الحاويات، ضغطًا إضافيًا على القدرة الشرائية، ما يجعل أي زيادة تُصرف على مدى اثني عشر شهرًا عرضة لفقدان جزء كبير من قيمتها الحقيقية مع مرور الوقت. ويشدد المتابعون على ضرورة إجراء إصلاح جذري في القطاع العام يقوم على تسريح الموظفين غير المنتجين، وتوجيه الوفر الناتج عن ذلك نحو تمويل زيادات فعلية ومستدامة للموظفين الفاعلين والمنتجين. ويعتبر هؤلاء أن غياب هذا الإصلاح الهيكلي يُبقي لبنان أسير حلقة مقفلة من التضخم والاستدانة غير المجدية وتفاقم أزمة الودائع.
تدعو الأصوات الاقتصادية الحكومة إلى التحلي بالشفافية تجاه النقابات، وتوضيح حقيقة الوضع المالي للخزينة العامة، بدل ترك الملف عرضة للتجاذب السياسي والشعبوي. وتؤكد هذه الأصوات أن النقابات واعية بحقيقة أن قدرة الدولة على الدفع مرتبطة مباشرة بوجود الأموال في الصندوق، وأن الشفافية كفيلة بتوضيح الصورة أمام الرأي العام. وتعيد هذه المحطة التذكير بأن اندلاع الحرب في جنوب لبنان قلب كل الحسابات التي بُنيت عليها الموازنة، إذ انهارت الإيرادات وارتفعت النفقات في آن واحد، لتضع الحكومة أمام استحقاقات مالية يصعب الوفاء بها في ظل الظروف الراهنة.